1-701776
لم يكن جيمس جويس إلا بالكاد في وضع يساعده على البدء برواية جديدة، رواية أقل طموحاً من ( يوليسيس ) بكثير، خلال أحداث1915 الدراماتيكية المرتبطة بالحرب العالمية الأولى، في مدينة تريَست، التي كان يقيم فيها. فقد كان عاطلاً عن العمل، بعد أن أُغلقت المدرسة التي كان يدرّس فيها، و جاثماً على حافة جبهة القتال مع زوجة و طفلين، و فقيراً كما كانت حاله أبداً. و لم تكن روايته ( صورة الفنان شاباً ) منشورة آنذاك، و كانت ( أهل دبلن Dubliners ) قد ظهرت في المكتبات قبل أسبوعين فقط من اغتيال الأرشيدوق فرانز فيرديناند، الذي أشعل فتيل الحرب العالمية الأولى. و لم يكن قد بيع من هذه الرواية إلا القليل جداً، كما جاء في مقال كيفين بيرمينغهام، المقتبس من كتابه ( أخطر كتاب : المعركة من أجل يوليسيس جويس ) الصادر في حزيرانً 2014 عن دار بينجوين.

و كانت ( يوليسيس ) في الأصل فكرة لقصة قصيرة ترتبط بروايته ( أهل دبلن ). فكان ألفريد هـ هنتر Alfred H Hunter يمثّل لديه بطلاً لحرب طروادة، بطل ملحمة هوميروس العظمى، ملك إيثاكا، يوليسيس. و كانت معادلة ” هنتر ــ يوليسيس ” هذه ملائمة بشكل جيد لقصة قصيرة لكن الفكرة كانت قد كبرت في عقل جويس.
و كان جويس قد بدأ في عام 1914 بتجميع فِكَره. و رسم خارطة لأحداث حكاية الأوديسة القديمة حتى دبلن : كان الدفن في مقبرة غلاسنيفن هبوطاً في الجحيم Hades. و كانت شقة صديقه بيرن في شارع أيسل هي قصر يوليسيس في إيثاكا. و اتخذ ليوليسيس اسم ليوبولد بلوم، و لابن يوليسيس، تيليماشوس، اسم ستيفن ديدالوس. و كان ستيفن هذا ابناً لأبٍ مفقود، و بلوم أباً يجد طريقاً له للعودة إلى ابنه. و كانت زوجته، مولي، هي بينيلوب، المنتظرة بصبرٍ عودة زوجها من حرب طروادة.
كانت فكرة الملحمة تبدو، عند أوائل القرن العشرين، عتيقة الطراز. و كانت الأوديسة تمثّل جوهر الحضارة المتماسكة، و إذا ما كانت الحرب تعبّر عن أي شيء فهو أن أوروبا كانت متجزئة. وأوديسة آيرلندية ستكون ملحمةً ساخرة، حكاية تستشهد بمقارنات كلاسيكية لتهزأ مما أصبحت الحضارة عليه. و كانت هناك، بالنسبة لجويس، إثارية thrill ماكرة في إعادة تصور المسرح الملحمي على أنه دبلن المزرية القذرة آنذاك. و لم يكن يوليسيس دبلن ملكاً بل مطوِّفاً canvasser لجريدة، و هو يعود إلى البيت لا ليجد ملكةً وفية و إنما زوجة احتالت عليه مبكراً في ذلك الصباح. و كانت رؤية حياة ليوبولد بلوم من خلال مغامرات يوليسيس هي النظر إلى القرن العشرين عَبر مرآة القِدَم المتصدعة.
غير أن الجانب الآخر من إثارية جويس هو تحويل البيئة اليومية للمدينة الحديثة. فراح جويس ينسل عَبر قرونٍ من الدنيوي أو الأرضي إلى الأسطوري و بالعكس. و فكّر لسنين بومضة تجلّ epiphany كلحظةٍ تكشف عن ” روح الشيء الأكثر شيوعاً “، وفقاً لتعبير ستيفن ديدالوس. لكن ستيفن يخبرنا، في ( يوليسيس )، أن ” لحظة التخيّل الكثيفة ” هي تبصّر عَبر الزمن و فيه. ” و هكذا في المستقبل، أخِ الماضي، يمكن أن أرى نفسي و أنا أجلس هنا الآن لكن بواسطة الانعكاس من ذلك الذي سأكونه آنذاك “. فكل شيء نكونه، كل شيء نفعله، يكتسب معناه الأكثر تحمّلاً في إدراكات متأخرة، ستكون نفسها علَفاً للحظاتٍ أبعد.
إن التجلّي يتعلق بالمستقبل. و استطاع جويس أن يرى نفسه شاباً في دبلن الآن و القنابل تتساقط حول تريَست. هكذا الحال مع الحضارات و هي تروي قصصها. و كان بوسع دبلن، وهي على عتبة القرن العشرين، أن تنظر إلى الوراء لترى نفسها على المسرح الهوميري أخيراً.
و مع هذا أضاف جويس مستوى آخر من التعقيد ــ شيئاً ما صهر النُظُم المتباينة للأهمية في العالم الحديث. فبدلاً من ملحمة تنتشر على مدى سنين، فإن ( يوليسيس ) هذه ستحدث في يوم واحد. و في القرن الحادي و العشرين تبدو الرواية الـدورية circadian طبيعية. فنحن معتادون على تكتكات التقارير النابضة بالحياة. و تغذيات المعلومات الآنية على الأنترنت، و تحديثات الأوضاع، و أخبار الـ 24 ساعة التي تزودنا جميعها بإدراك أن الأحداث العالمية تدور في أيام مفردة. مع أنه في عام 1915 كانت فكرة أن يكون يوم واحد إطاراً زمنياً ملائماً لرواية متطاولة أمراً غريباً. لقد كان هناك كتاب قليلون كتبوا روايات من يوم واحد في السابق، لكن لم يكن أيٌّ منها بالحجم الذي تخيله جويس، أو كملحمة. و كان جويس يخطط لتحويل يوم واحد إلى وحدة كتابية من التعقيد المذهل حيث يكون الجزء الدوري هو الفترة كلها في الوقت نفسه. و سيكون يومٌ من حزيران في دبلن جُزيئاً ممثّلاً للحضارة الغربية.