1120141519735

للمرة الثانية يضعنا يوسف نبيل وزينب محمد أمام تساؤل مهم كيف لشخصين يملكان أفكارا مختلفة وتأثيرات الأشياء عليهما متغايرة أن يكتبا عملا واحدا لا توجد به نتوءات ولا نصفه قوى والآخر ضعيف، وكيف يكون “نصا واحدا” يكمل بعضه؟ فبعد روايتهما الأولى “فى مقام العشق” قررا أن يكررا التجربة مرة ثانية فى ” العالم على جسدى” الصادرة عن سلسة “كتابة” بالهيئة العامة لقصور الثقافة.

ويوسف نبيل وزينب محمد مشغولان فى كتابتهما المشتركة بالبحث عن طريقة التشكيل الداخلية للإنسان واختبار قدراته، لذلك هما دائما ما يضعانه فى بوتقة من الانصهار ويجعلانه يواجه ذاته، وهذه هى اللحظة الأصعب التى تواجه الإنسان أن يعرف نفسه، وأن يضع يده الممتلئة بالدم فى جرحه مرة ثانية وينكأ الجرح من جديد.

هذا ما قدمته رواية “العالم على جسدى” التى تعتمد فكرة الاختيار، معتمدا تاريخ الإنسان مادة للرواية، وتريد أن تجمع الخطوط المتشابكة التى تجمع بين العالم، بما يثبت أن الإنسان كائن واحد فى أى بقعة من بقاع الأرض وأن الهموم واحدة والضياع والفقد والوجود بتعدد أشكاله الخارجية وباختلاف ظروفه وأزمنته ينتج من شىء واحد، وأن القهر ممتد ومرتبط بالوجود ذاته وأن السعادة والحزن هما الإنسان، وأن كل ذلك تقريبا أضغاث أحلام.

الملفت للنظر فى الرواية هى طريقة الكتابة والأسلوب الواحد الذى استطاع الكاتبان أن يصلا إليه، فلا نجد تفاوتا فى اللغة بينهما ولا نستطيع أن نحدد أى من النصوص كتبها يوسف وأيها كتبتها زينب، وهذه جزئية مهمة جدا فكيف استطاعا فى هذه الرواية أن يصلا إلى هذا التجاوب الخلاق بينهما وهذا التطويع للغة والأسلوب لتتحول للغة واحدة وأسلوب واحد ومخيلة واحدة ورؤية وفلسفة وتصور ونتائج واحدة؟.

والرواية تعتمد طبقات من الحضور والغياب، ويمكن أن نقول: الوصول للحقيقة بالوعى الحقيقى للأشياء، فتدخل بنا الرواية إلى عالم “زهران” الذى يخلق بخياله واقعه، فيما يمثل الصراع الطبقى بين السادة والعبيد، متخذا من التاريخ العربى غير المحدد مادة لملء هذه الفجوة، وفى صراع مشتد تأخذنا الكتابة لفهم الشخصيات ودواخلها، ثم ينتقل بنا مرة ثانية إلى مرحلة أكثر تشابكا وإدانة للإنسان الحديث، حيث الحرب العالمية الثانية، فهنا نجد المأساة التى اسمها “ألكسى بريس” فى رحلته مع الحرب والألم، بكل الوحشية والعنف وسبلها فى القضاء على الإنسانية، والانتقال الثالث كان رجوعا بعض الشيء فى الزمن للعصور المظلمة فى أوروبا، حيث “لارا” شاهدة الصراع الدينى الطائقى، والتعذيب والقتل باسم المذهب والدين، والمعاناة التى تلاقيها البلاد والعباد حال تحكم رجال الدين فى حياة الناس وامتلاكهم السلطة الإلهية واعتبار أنفسهم الحاكمين باسم الرب على هذه الأرض، لكن هذا الجزء شهد جانبا من الأمل بالوصول إلى الصوفية المتمناة التى تسبب السعادة المنشودة، وجاء الانتقال الرابع لـ”تسبا”، فهنا تجسيد للوصول للحقيقة الكاملة، فى جو من العصور البدائية، لكنها من جانب آخر ممتلئ بالنور، لأن النجاح معتمد على الآخر، حيث المراهنة على الجماهير، أما أزمات الإنسان المعاصرة فممثلة فى العرض المسرحى الذى سيقدمه “أحمد راتب” وهو مماثل تماما للحياة انطلاقا من فكرة العالم مسرح كبير، إذن يمكن اعتبار كل النصوص السردية التى جاءت فى الرواية عبارة عن “عروض مسرحية” قام بها الفريق الذى قرر أن يقدم عرضا ارتجاليا، هذا العرض انتصر للإنسان عندما عرض لمشاكله وأزماته. قدم يوسف نبيل وزينب محمد نوعا من الكتابة الإنسانية التى تعيش فى الأدب وقدما نصا ممتلئا بالأدوات الفنية التى تجعلك تعيد قراءته أكثر من مرة وفى كل مرة ستخرج بعالم يتسع أحيانا حتى ليشمل نماذج كثيرة ممتلئة بالإنسان والجبال والغابات والموسيقى والكتب والأفكار، ويضيق أحيانا أخرى حتى يجعلك تجلس مع “ألكسى بريس” أمام منزله ولا رغبة فى الكلام لديه، يتذكر يوم رقد جندى لجواره عدة ساعات،

لم يفتح فمه ثم نطق أخيرا:

– سأخبرك بشىء أيها الرفيق.

– …………………………

– سوف أموت اليوم

– ………………..

– ألا تصدق؟؟

– ………………

– سأستلق قليلا قبل الموت

– روسيتك ليست محلية

– لست روسى الأصل، ومثلى مثل كثير من الأقليات قاموا بتهجيرنا من أراضينا تنفيذا لأوامر الرفيق ستالين، من أين أنت؟

– ألكسى من أوكرانيا

– لقد خمنت ذلك، هل أنت هارب؟

– نعم، وأنت؟

– أنا ميت

– ماذا بك؟

– ألم تسمع صوت تلك الطلقة؟

– لقد سمعت شيئا منذ ثانية واحدة.

– كانت طلقة فى ظهرى.. ألم أقل لك!

– ماذا تقول؟

– …………………

هذا حوار يختصر العالم ويختزله ويضع الموت فى حجم قبضة يد رجل ضعيف الجسد، هذا العالم الذى تقدمه الرواية، ممتلئ بالفرح والحزن، وإن كان الحزن هو الغالب، لكن الفرح موجود لكنه مختبئ بين السطور، وفى سعى الشخصيات للوصول لحقيقة ذاتهم أو حتى للهروب منها.