جون كوين ترجمة: محمد عبد النبي :
مقدمة المترجم لا بدّ أن عنوان هذا الكتيب سيكون مُضحكاً للكثيرين، فالواحد لا يتصور أن بوسعه كتابة رواية خلال مئة يوم أو أقل كما يشير العنوان. والحقيقة أن الكتاب يحوي مئة وواحد نصيحة صغيرة، تتعلق بجوانب مختلفة من عملية الكتابة السردية وخصوصاً الروائية، بعضها أمثلة تستحق الاحتذاء أو مقولات في صميم العملية الإبداعية أو إرشادات ذات طابع عملي خالص. وقد كتب بعضها ـ وجمع بعضها الآخر ـ “جون كوين” وهو كاتب ُمتخصص في روايات الرعب أو تلك التي تدور حول لعبة الجولف التي يعشقها، وقد بدأ حياته المهنية مساعداً للاعبي الجولف في أحد النوادي وهو ابن العاشرة. وقد ألف أكثر من خمسة وعشرين كتاباً بين روائية وغير روائية، بما في ذلك عدد من روايات الرعب ومجموعة قصص قصيرة مختارة. نشرت النصائح مرتبة بترتيب الأيام على أحد المواقع المعنية بشؤون الكتابة والتي يشارك جون كوين في تحريرها. وإذا ما استبعدنا ما يثيره عنوان هذا الكتيب وتوجهه من دهشة أو تهكم، فما أحوجنا في العالم العربي إلى هذه النوعية البسيطة من الكتابات البسيطة الموجهة للمُبتدئين أو للكتّاب الشباب أو الروائيين بالإمكانية لا بالفعل. فطالما كتبنا وقرأنا عن تاريخ الفنون السردية، نصوصها ونقدها ونظريتها، لكن ما أقل الكتابات المتاحة باللغة العربية حول الكيفية والحرفة والصنعة، ربما نتيجةً لما توارثناه جيلاً بعد جيل من أفكار تكاد تكون غيبية حول دور العبقرية الفردية والموهبة الفطرية، إلى آخر تلك المفاهيم التي تُعوّل على السليقة والفطرة الإبداعية أكثر مما تعوّل على العمل والجهد واكتساب التقنيات والأدوات. لكن ها نحن نشهد يوماً بعد يوم تراجع أغلب تلك الأفكار، ليحل محلها ـ لدى الشباب خصوصاً ـ الاعتقاد بضرورة التعلم واكتساب الخبرات بالممارسة والتجريب، ونراهم يبحثون عن مثل تلك النصائح والتوجيهات في الكتب والدراسات القليلة المتاحة، وكذلك بالطبع على

مواقع الانترنت التي تكتظ بمثل تلك الصفحات المخصصة لتعليم كل شيء من أول: كيف تصنع قنبلة في منزلك، وليس انتهاءً بكيف تكتب رواية في مائة يوم أو أقل. وجون كوين هنا لا يفعل ـ أغلب الوقت ـ إلا أن يجمع النصائح والإرشادات من هنا وهناك، مُستلهما تجارب وأقوال أساتذة الصنعة الكبار. وربما وجد القارئ الخبير بفن الرواية وبكتابتها بعض نصائحه أموراً بديهية من العبث تكرارها أو التأكيد عليها، إلا أن هذه النصائح ذاتها قد تكون مجهولة تماماً لدى آخرين. وأخيراً فإن بعض الأيام ـ وخصوصاً آخر 15 يوماً ـ ستبدو أكثر ارتباطاً بنظام النشر في العالم الغربي، حيث يتوجب على كل كاتب أن يجد له وكيلًا أدبياً يمثله لدى دور النشر لكي يستطيع التفرغ للكتابة وترك هموم المال والمساومات لهذا الوكيل. وإن لم ننتفع كثيراً بتلك الإرشادات الأخيرة نظراً لاختلاف آليات النشر لدينا في العالم العربي، فإنها على الأقل قد تساهم في تطوير مواقفنا من آليات صناعة الكتاب وعالم النشر، إلى جانب تعريفنا بما يحدث هناك على الجانب الآخر،على سبيل الفضول لا أكثر ولا أقل.

اليوم 15
طوّر شخصياتك وحبكتك جنباً إلى جنب. فلا يمكنك أن تشكل إحداها جيداً بمعزل عن الأخرى. شخصياتك ليسوا مخلوقات خشبية سقطت من السماء مكتملة بفعل السحر. بل هي عناصر لا غنى عنها للدراما التي توجدها. عليهم أن يفعلوا شيئاً منطقياً أو غير منطقي (وهو ما يعني الحبكة) ليضيفوا إلى القصة وينتقلوا بها نحو ذروتها القصوى. لا تفصل أبداً الشخصيات عن الحبكة.

اليوم 16
على قارئك أن يُصدق أن شخصياتك موجودة أو يمكن أن توجد ـ ولا بدّ أن تكون جذابة بصورة فريدة. ولا شيء أفضل لتحديد طبيعة شخصياتك من أفعالها، وأهدافها في الحياة. قد يكون الهدف خيراً أو شراً، لا يهم، المهم أن يرى القراء أفعالها وأهدافها، ويؤمن بهم، ويبقى على اهتمامه بهم باستمرار.
لا تكتب قصة تزدحم بآلاف الشخصيات. فلتكن حكايتك عن شخص أو اثنين أو ثلاثة فقط، ولكن لا يمكن نسيانهم، وجميعهم ممتلئون بالأهداف والمقاصد.

اليوم 17
إنك بحاجة إلى بطلٍ قوي. يجد أغلب الكتّاب مشكلة في رسم شخصية بطل أكبر من الحياة، تامة النضج، ومتماسكة.
تذكر أن بطلك هو الشخصية الرئيسية لقصتك. إنه الشخص الذي سيتوحد به قارئك، إنك تريد من القراء أن يولعوا ببطلك. هو ـ أو هي ـ صديقك الحميم الجديد.

اليوم 18
اكتشف مَن الذي تحتاج إليهم في قصتك، وماذا يفعلون معاً أو لبعضهم البعض، وما الذي تفعله بهم القصة ذاتها. هل ينجرّون جميعاً في اتجاه واحد؟ أم يمضون في ست اتجاهات مختلفة. اسأل نفسك السؤال الحاسم: أي شيء سيكون أكثر جاذبية للقارئ؟ ذلك هو الاختبار الحاسم لنمو الشخصية وللحبكة. هل سيكون القارئ شغوفاً بهذا؟ هل سيكترث؟
لتحرز نجاحاً في تنمية الشخصية والحبكة، عليك أن تتخذ قرارات صعبة. عليك ألا تأخذك الشفقة بشخصياتك وقصتك. مَن يبقى ومن يُستبعَد؟ ماذا يبقى وماذا يُستبعَد؟
وبصراحة، هذا هو الموضع الذي يتوقف فيه كثيرون ممن يكبتون روايتهم الأولى، فهم لا يستطيعون أن يحسموا اختيارهم. فإن الاحتمالات العديدة تفتن عقولهم، أو تصيبهم بشللٍ تام.
لا تغامر بهذا، كن قاسياً صارماً. جرب خيارات مختلفة بالطبع، ولكن لا بدّ أن تحرّك القصة إلى الأمام حدثاً بعد حدث، جاذباً معك كل شخصية. وكلما تكشّف حدثٌ ما لا بدّ أن يكون لكل شخصية رد فعلها عليه. تماماً كما تجري الأمور في الحياة الواقعية.
إذا صدمت سيارة أحد الأطفال فصرعته في الحال، فإن حياة سائق السيارة تتغير إلى الأبد، وكذلك حياة والدي الطفل، وكذلك حياة أشقائه وشقيقاته وأصدقائه وحتى شرطي المرور وعابري الطريق لحظتها. عليك أن تقرر ما هي تلك التغييرات. عليك أن تقرر. هذه فرصتك لتلعب دور الآلهة ـ وإذا كنت تنوي أن تكتب سرداً فعليك أن تلعب ذلك الدور. الآلهة تكمن في التفاصيل، الآلهة تقرر مسار الرواية.

اليوم 19
واصل طرح سؤال «لماذا؟» بينما تصل إلى نهاية الأسبوع الثاني من تحديد شخصياتك، سيكون لديك كومة من بطاقات الشخصيات بمقاس 5×7 التي توضح تفاصيل الحياة الخاصة لكل شخصية في قصتك على حدة، نزولاً إلى مقاس خصورهم ولونهم المفضل. كان الروائي فلاديمير نابوكوف [صاحب لوليتا] يؤلّف كل رواياته على بطاقات الورق المقوّى.

اليوم 20
«صوتك» هو صوتك أنت، و»أسلوبك»، هو أسلوبك أنت. لا تحاول أن «تبدو مثل» أحد الكتاب المشاهير. كثيرٌ من الكتاب المبتدئين يشعرون أن عليهم إضافة شيء ما إلى «صوتهم» الخاص على الصفحة المطبوعة. من تكونه على الصفحة هو من تكونه في الحياة، بنفس قدر تمرسك وبنفس قدر خبرتك بالحياة والناس، أو بنفس قدر انعدام التمرس وافتقار الخبرة. لا يهم، واصل الكتابة وواصل استبعاد الأجراء المرتبكة التي تتسلل إلى كتابتك. كن على طبيعتك. فكما كتب الروائي الفرنسي، فرانسوا رينيه دي شاتوبريان: «الكاتب الأصيل ليس هو من يحاكي أي شخص، بل هو من لا يستطيع أي شخص أن يحاكيه.»

اليوم 21
أعدّ مخططاً تقريبياً لأحداث قصتك من الفصل الأول وحتى النهاية.
تقول الروائية كاثرين آن بورتر: «إن لم أعرف نهاية قصتي لما بدأتها.»
اكتب الفقرة الأخيرة من روايتك ثم ضعها في الدرج. وعند نهاية المائة يوم دعنا نر إلى أي حدّ نجحتَ في الاقتراب من مخيلتك.

اليوم22
لا تقم بأي شيء ـ أي شيء بالمرة ـ في روايتك من ناحية الكتابة الفعلية لها إلا بعد أن تكون قد وضعت حبكتك كاملة على الورق (جنباً إلى جنب الشخصيات ودور كل منها في الرواية).
لا تقع ضحية للقول القديم للمؤلفين: «لقد بدأتُ انطلاقاً من فكرة أساسية وشخصيات قليلة. لم أعلم أبداً إلي أين سأتجه. تركتُ الشخصيات تحكي الحكاية بدلاً مني.» قد يكون هذا ناجعاً بالنسبة لروائيين متألقين ومُحنكين، لكن أغلبنا بحاجة إلى خارطة طريق واضحة إذا أردنا ألا نتوه بلا أمل نحن وقراؤنا معنا.

اليوم 23
قم بتعليق البطاقات والمخطط التمهيدي الذي أعددته على جدران مكتبك أو الغرفة التي تكتب فيها حتى يمكنك قراءتها بسهولة.

اليوم 24
ما يريده المحررون والقراء هو كتاب مشوّق ومكتوب جيداً، تُحركه دوافع الشخصيات أكثر من الحبكة وله بداية واضحة.

اليوم 25
إنك الآن قد أنجزت:
1.تعهداً بالمواصلة.
2.جدول عمل.
3.فكرة القصة.
4.مجموعة الشخصيات.
5.حبكة مفصلة للقصة بكاملها.
6.وصفا موجزا لما تدور عنه الرواية.

اليوم 26
حدّد هدفاً لنفسك أن تكتب على الأقل أربع صفحات يومياً. وذلك يعني من 300 إلى 325 كلمة، بالكتابة على سطر دون الآخر. في بعض الأيام لن تكتب أكثر من صفحة واحدة؛ وفي أيام أخرى سوف تكتب 15 صفحة. حاول أن تعمل بمعدل أربع صفحات يومياً على الأقل.

اليوم 27
إن روايتك هي عمل من صنع الخيال، لكن ذلك لا يعني ألا تكون حقائقك سليمة وصادقة، فلا شيء يُنفر القارئ بقدر ما تنفره حقيقة غير دقيقة، ولا شيء يضفي على قصتك المصداقية مثل الحقائق أو التفاصيل الصحيحة. استعن بالإنترنت في بحثك. وانظر كذلك في المجلات والصحف التي صدرت في زمن ومكان روايتك. كان جور فيدال يستعين بالطبعات القديمة من مجلة هاربر بحثاً عن التفاصيل عند كتابة روايات تاريخية.

اليوم 28
مجرد الحديث لا يعتبر حواراً، فالحوار له غرض ومقصد. إنه يدفع القصة للأمام، ويُبقي القارئ منتبهاً وواعياً بالقصة، ويُشعره بأنه في قلب الأحداث. وعلى هذا، فلا تصف الأحداث البعيدة كأنها خبر على لسان أحدهم، بل ضع القارئ وسط أحداث قصتك مباشرةً وسوف يصبح حوارك عفوياً وطبيعياً. لتكن حوارات قصتك فعالة ونشطة، وتأكد دائماً من أن القارئ يعرف مَن الذي يتحدث.

اليوم 29
تطلع في المرآة واكتب عن الشخص الذي تراه، حاول أن تصف الشخص الذي تراه في المرآة لرجلٍ أو امرأة لم تلتقِ به من قبل أبداً. التزم في فقرة الوصف بعدد كلمات لا يزيد عن 300 كلمة. اجعل هذا «المرء» شخصية في روايتك، سواء كان هو البطل أم الراوي أم أحد الشخصيات الثانوية في الحبكة.

اليوم 30
ذات مرة علق الروائي كيرت فونيجت قائلاً: «إن الموهبة شيء شائع لأقصى حد، أما الأمر النادر فهو الاستعداد لتحمل حياة الكاتب. إنه أقرب إلى رسم ورق حائط باليد لكنيسةٍ عملاقة مثل التشابيلا سيستينا.»

اليوم 31
في وقتٍ مبكر من تخطيطك التزم بوجهة نظر. على هذا النحو يجد القارئ أساساً صلباً للقصة. ما أن تقرر أي شخصياتك ستكون هي الشخصية حاملة وجهة النظر التزم بقرارك هذا. لا تحوّل وجهة النظر. أمّا إذا اخترت تعدد وجهات النظر، فلتعرض قصتك من وجهة نظر شخصية واحدة في كل مرة، لكي تتحاشى إرباك القارئ.

اليوم 32
احمل دفتر أوراق صغير معك. اشرع في الكتابة بينما تنتظر بداية اجتماع ما. اشرع في الكتابة إذا كنت مسافراً على متن طائرة. اشرع في الكتابة كلما وجدتَ لحظة سانحة. فأنت الفائز بما تكتبه في تلك الأوقات السانحة.

اليوم 33
التشويق من المكوّنات الأساسية للعمل السردي. ونتيجةً له يسأل القراء: تُرى ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ وسوف يواصلون القراءة لاكتشاف الإجابة.

اليوم 34
عندما تستعين بشخصيات لتقدم من خلالها معلومات وأدلة لا تنس اللغة الجسدية للشخصيات. فتلك الإشارات غير اللفظية يمكنها أن تنقل ما تعجز الكلمات عن نقله، واسأل أي عاشقيْن.

اليوم 35
جرب أن تكتب أولاً بيدك، ثم على الحاسوب. سوف يمنحك هذا مراجعتين لنثرك قبل أن تبدأ مرحلة التحرير.

اليوم 36
ليكن هدفك أن تبتكر صورة واحدة مدهشة في كل صفحة. على سبيل المثال، حاول أن تحاكي هذه الصورة لشروق الشمس عند البحر بقلم فيليب كابوتو في روايته الرحلةthe Voyage :
«ظهر وميضٌ ذهبي في الموضع المفترض للأفق، ثم اندلعت شمسٌ حمراء، مثل رأس طفل ناري يبزغ من رحم السماء الرمادي ـ الماء يلدُ العنصر النقيض له.»

اليوم 37
لا تسهب وتطنب لمجرد أن التكنولوجيا تتيح لك ذلك. إن أجهزة الكمبيوتر والإنترنت جعلت كل شيء أكثر سهولة، من البحث عن معلومات إلى الكتابة والمراجعة والتحرير. واصل التفكير بأشياء صغيرة، فجميعنا نشعر أحياناً أن الأفلام ومُباريات الكرة أطول من اللازم. ماذا عن الكتب؟ سيقول لك الناشرون والمحررون: السياق هو ما يُحدد الطول. تذكر فقط أن [رواية فيتزجيرالد] جاتسبي العظيم طولها حوالي 200 صفحة فقط.

اليوم 38

بدون الوصف لن يتكوّن لدى القارئ إحساس بالمكان والزمان والمزاج النفسي ـ وجمعيها لا غنى عنها لقصتك. لكن مع وصف أكثر من اللازم سوف تعوّق تقدم قصتك وتصير مملة. ادخل، قدّم التفاصيل قوية التأثير، ثم اخرج من جديد. لا تستغرق في وصفك (أو في بحثك). اوجد عالماً يمكن لشخصياتك فيه أن تحيا وتتنفس، لا أن تقيم في بلادة كأنها نباتات.
اليوم 39
الأفكار، جديدها وفريدها ـ هذا هو ما يفاجئ قُراءك، ويُشبعهم ويسعدهم. فلتبق بعيداً عن المجرّب والواقعي. اكتب مُستعيناً بالخيال.

اليوم 40
يقول ريك باس، واحد من أصحاب أفضل الأساليب، أن كُتاب السرد ـ شأنهم شأن البنائين ـ يلزمهم كلٌ من القوة والدقة لبناء قصة محكمة. يقول: «سيكون عليك أن تضع حجراً فوق الآخر بحيث يتلاءمان معاً، ولكن ستكون بحاجة لعافية لكي تجرّ تلك الأحجار من هنا وهناك.»

اليوم 41
حين كانت شيرلي جاكسن ربة منزل وأمّا لأربعة صغار وأستاذة في الجامعة، نادراً ما كانت تجد وقتاً للكتابة في أثناء النهار. ومع ذلك فحين جلست إلى مكتبها ليلاً، فإن قصة مثل قصة «اليانصيب» تدفقت منها في مُسودة أولى ممتازة. لماذا؟ لأنها كانت تفكر فيها طوال اليوم. اعتمد على لاوعيك ليتولى المسؤولية و»يعالج» الأفكار التي ترد إليك خلال نهارك.

اليوم 42
الشخصيات الجيدة تنمو وتتطور اعتماداً على أمرين بشكل أساسي: أفعالها ومعتقداتها. إننا نكتسب فهماً للأشخاص من خلال ما يفعلونه وما يعتقدونه في الأحداث الدرامية الخاصة بالقصة.

اليوم 43
لاحظ الشاعر [الإيطالي القديم] هوراس في القرن الرابع عشر قبل الميلاد تقريباً أن على الكتّاب محاولة «أن يقولوا فوراً ما يتوجب عليهم قوله فوراً». بتعبير آخر: أمسك بتلابيب قارئك من جملتك الأول.

اليوم 44
لا تيأس أو تفقد حماستك، واصل الكتابة. وتذكر أن روايةآيرونويدironweed الفائزة بجائزة البوليتزر، لمؤلفها وليم كينيدي رفضها 13 ناشر قبل أن يتدخل الكاتب الكبير سول بيلو ويدعمها. وعندما رفض أحد المحررين رواية لورانس جي بيتر The Peter Principle كتب له «ألا يتوقع أية إمكانيات نجاح تجاري في كتاب كهذا.»

اليوم 45
كانت نصيحة أنطون تشيخوف بسيطة بَساطة لافتة: «إذا كان هناك مسدس معلق على الحائط في المشهد الأول من المسرحية، فلابدّ أن يتم إطلاق رصاصة منه قبل النهاية.» عليك أن «تفحص» العمل كاملاً وفي ذهنك تلك النصيحة واقتطع أي شيء لا يُساهم في اكتمال القصة.

اليوم 46
أن تكتب جيداً ليس بالأمر الهيّن بل هو باهظ الكلفة عاطفياً. الراقصون، على سبيل المثال، يعرفون أن أقدامهم سوف تدمى، وعازفو البيانو يعرفون أنهم سيتدربون حتى يبكون من الألم في أصابعهم. كتابة رواية ليست مثل كتابة رسالة. كتابة رواية أمر مُنهك عقلياً، وأصعب كثيراً من وظيفة بدوامٍ كامل. حين تكتب رواية تعيش الحياة الخاصة بشخصياتك.

اليوم 47
في عام 1979، وفي عمر الثمانين بدأت جيسي بي براون فوفوكس تكتب قصة حياتها. كتبت حكايات بريئة عن ماضيها، حكايات عن جدتها وعمتها البعيدة كلارا التي كانت تمضغ التبغ ويمكنها أن تُسدّد بصقات بحجم كريات الزجاج.
في كل صباح كانت تتوجه إلى مطبخ شقتها البيضاء المكوّنة من غرفتي نوم في مانهاتان، كانساس، حيث ربّت ثمانية أبناء. تجلس إلى طاولة المطبخ ثم تشرع في الكتابة مستعينة بدفاتر القص واللصق القديمة والرسائل والصور الفوتوغرافية. ويوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، كتبت بخط يدها قصة حياتها، مسجلةً الأحداث المفصلية: المواليد، الوفيات، زيجة واحدة، ثلاثة حروب، فيضان واحد، جنباً إلى جنب الأشياء التي أشعلتْ خيالها، مثل المرة الأولى التي رأت فيها لورانس ويلك. وبعد أن أتمت حكي أحداث حياتها، بدأت تكتب عن العالم الذي لم تتحدث عنه قط: مشاعرها وأفكارها.
كتبت جيسي لي هذا كله على يد مُعلم هو تشارلي كيمبثورن، في برنامجه لسنوات الحصاد، وهو برنامج مخصص لكبار السن. طبعت الكلية المحلية لها كتاباتها بعنوان حياة جيسي لي براون من الميلاد حتى سن الثمانين، في ثلاثين نسخة فقط تم توزيعها على الأسرة والأصدقاء. كان هذا قبل عشرين عاماً، أما الآن فإن الأسرة والأصدقاء والغرباء مازال بمقدورهم قراءة كتابها ذي المائتي وثماني صفحات، بعنوانAny Given Day أي يوم متاح: حياة وأزمنة جيسي بي براون فوفوكس: ذكريات لأمريكا القرن العشرين [مطبوعات دار بروكس، 1997].
منذ أن كتبتْ كتاب مذكراتها الأول، أنجزت جيسي لي كتابين آخرين، أحدثهما هو ثرثرات جدة حول هذا وذاك Granny’s Ramblings of This and That Two، وتمت طباعته في 1993. في ذلك العام كتبت رسالة إلى المعلم الذي شجّعها على حكي قصتها، كتبت: «شكراً لك كل الشكر لأنك لم تفقد الأمل فيّ. أنا لستُ كاتبة، غير أن مجهودي الضئيل صنع اختلافاً هائلاً في حياتي.»
إن لم تكن جيسي لي براون كاتبة، فمن يكون؟ إن حياة كل شخص هي كتاب. لقد حكت جيسي لي قصتها. واشترتْ وارنر [شركة الإنتاج السينمائي] قصتها مقابل مليون دولاراً