القاهرة ـ في معرض القاهرة الدولي للكتاب كان لرواية صبحي فحماوي “على باب الهوى” ندوة المقهى الثقافي الأولى، التي أدارها الشاعر شعبان يوسف، وتحدث فها كل من الدكتور شريف الجيار، أحد مديري الهيئة المصرية العامة للكتاب، والدكتور عزوز اسماعيل، مدير تحرير مجلة “الرواية” المصرية، تلاهما صبحي فحماوي بالحديث عن روايته.

وقال د. شريف الجيار إن رواية “على باب الهوى” هي سرد مدهش لباحث لمّاح ثرثار دقيق التصوير سواح على باب الهوى، يتقن فن رسم المفارقة بين المتناقضات في روايته التي لا تترك للقارىء فرصة للتنفس وهو يتابع قراءتها. إنها تشد القاريء للمتابعة، فتلتصق صفحاتها بيديه، ولا نتفلت منه إلا في الجلدة الأخيرة. وكما يقولون: “متقدرش تغمض عينك” وأنت تقرأ روايته. ونظراً لشدة تكثيف الأحداث والصور المتلاحقة المدهشة، فلا تستطيع أن تتخطى صفحة واحدة من الرواية، لأنه سيفوتك منها أحداث كثيرة.

وقال د. عزوز اسماعيل، إن الرواية مشغولة بالهم الفلسطيني، فنجد السارد في معظم صفحاتها يعرج باتجاه فلسطين الأسيرة تحت الاحتلال الصهيوني، وهو يصور هذا الهم في كثير من المفارقات، فالذين يمرون في ميونيخ يشاهدون موقع مباني الألعاب الأولميبية التي عقدت في ميونيخ عام 1972، ويبتهجون لمرأى المباني المشكّلة على هيئة سلسلة خيام عربية متصلة، ولكن السارد يُذكِّرنا فيها بما حصل للفدائيين الخمسة الذين احتجزوا اللاعبين الإسرائيليين، مطالبين إسرائيل بفدية وهي تحرير الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الغاشم، فما كان من الكوماندوز الألماني إلا أن قتل الفلسطينيين داخل موقع أحد الملاعب، ثم اتهمهم بالإرهاب.

وتحدث فحماوي عن روايته “على باب الهوى” فقال: تصور روايتي “على باب الهوى” شغف العربي بزيارة ألمانيا، فتجد شخصية الرواية “خليل” يعجب بالتطور الحضاري الذي يواجهه هناك، فالحافلة تصل حسب موعدها المكتوب على اللوحة في 12:02 وتغادر 12:4 دقائق. يستغرب خليل هذه الدقة في المواعيد، وأن استغلال الوقت هو سلاحهم للتطور. ويستغرب متابعة صديقه المهندس الألماني الذي يلاحق آخر حبة أرز في صحنه، بهدف عدم رمي بقايا الطعام في الزبالة، وفي الوقت نفسه، يستغرب سبب منعهم لنا من إجراء التجارب النووية، بينما هم يتسلحون بأعلى تكنولوجيا نووية، ويستغرب اندفاعهم بقوة نحو توحيد ألمانيا، بينما هم يدعمون المحتل الإسرائيلي لبلادنا الفلسطينية. ويستغرب تحلق رعاع قاع المدينة عام 1982 حول سيارته في اسطنبول، وهم يقولون: “سجاير حجي؟ ويسكي حجي؟ نسوان حجي؟” فكيف يطلب الحجي نسوان ساقطات؟

وهكذا تستمر الرواية في سرد المتاناقضات، حتى يصل إلى وطنه العربي شغوفاً بتقبيل ترابه، وذلك على حدود باب الهوى السورية، فيجد كل التعقيدات والعراقيل هناك، عقاباً له على عدم دفعه الرشوة، عشر ورقات سورية داخل الجواز، فيرى أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة. أحداث كثيرة مذهلة داخل الرواية يتم سردها بطريقة تدافع دراماتيكي ممتزج بفن الخيال، يدفع القارىء للتشبث بمتابعة قراءة هذه الرواية.

وكان صبحي فحماوي خلال افتتاح المعرض في القاهرة، قد زار مكتبة الإسكندرية بدعوة من مختبر السرديات بالمكتبة، حيث عقدت ندوة مناقشة بإدارة الروائي منير عتيبة المشرف على الندوات، تحدث خلالها الروائي عن روايته “على باب الهوى”، بمشاركة كل من أ. د. مدحت الجيار، أستاذ الأدب الحديث في جامعة الزقازيق، ورئيس تحرير مجلة “الرواية” وأمين سر اتحاد كتاب مصر، د. أحمد المصري أستاذ الأدب الحديث في جامعة الاسكندرية، د. عزوز اسماعيل، مدير تحرير مجلة “الرواية”، وقدمت الروائية بشرى أبو شرار مداخلة حول فنية الرواية. وفي بداية الندوة قال الروائي القاص منير عتيبة إن صبحي فحماوي يزور مدينة الإسكندرية في مناسبات كثيرة، ويقدم في مكتبة الإسكندرية في كل زيارة مادة أدبية جديدة، وهو اليوم معنا في روايته “على باب الهوى”.

 

ومما قاله الدكتور مدحت الجيار: من يقرأ عنوان هذه الرواية وهو يتناولها من على رف الكتب، يعتقد أن الروائي صبحي فحماوي عاشق ولهان، يعيش على باب الهوى، ويتنقل من بلد إلى بلد، ومن قارة إلى قارة، بحثاً عن الحب والهوى، ولكنه من الصفحات الأولى الشديدة السخرية، يُغرقك في الضحك المبكي، وأنت تشاهد ما يفعله “الكلب الأمني” في مطار ميونيخ، الذي يفعل، أو يفعفل في ملابس حقيبة خالد، المسافر العربي إلى ألمانيا، إذ يقول السارد: يتقدم الكلب محاولاً الإفلات من جنزيره الذي يُكبِّل عنقه، فيعتلى حقيبة الولد خالد، بلا مؤاخذة، فيفعفلها، ويُبَهدِل الذين خلّفوها، ويجعل أعاليها أسافلها ويستمر هكذا غير مبال بكل أعراف ومواثيق “الأمم المتحدة ضدنا”.

وكعادته يسرد لنا فحماوي بسخريته المعهودة، في كل صفحة أو بعض صفحة قصة مدهشة مثيرة، تولد منها قصة أخرى، فتجد القصص والحكايات تتوالد، ويدفع بعضها بعضاً، مثل قصص وحكايات “ألف ليلة وليلة”، حتى يصيح الديك، فيتوقف السارد عن الكلام المباح.

ومما قاله فحماوي: أستطيع أن أعتبر “على باب الهوى” رواية مفارقات. رواية تلاقح حضارات، وفي الوقت نفسه رواية صراع حضارات. صحيح أن شخصيات رواياتي قلقة ومأزومة، ولكن شخصيات هذه الرواية هي الأكثر قلقاً وتنقلاً وإدهاشاً.

لم أخطط لكتابة رواية “على باب الهوى”، ولكنني اكتفيت بأن أضع قدم هذا الشاب الذي اسمه خليل على أول درجة من سلم الطائرة، وقلت له: “دبِّر حالك.” فوجدته حياً يسعى.. لا شك أنني حاولت منذ البداية أن أوجهَهُ، وأنبهَهُ، كي لا ينسى مواعيد الطيران، ولكن التفافَهُ على ذلك الولد خالد في مطار ميلانو هو الذي جعله ينسى موعد الطائرة، فيقع في مشاكل كثيرة نتيجة لخطئه هذا، وذلك على مبدأ لعبة الدومينو. وكم حاولت أن أنبهه ليبتعد عن أولاد الحرام، وبنات الحرام، ولكنه هو الذي قرر أن يحشر أنفه في (الذي يسوى والذي ما يسواش).

لقد طلع خليل في رواية “على باب الهوى” ثرثاراً بامتياز، رغم أنني حذرته من أنه “إذا كان الكلامُ من فضةٍ، فالسكوتُ من ذهب.”، وقلت له “إن مقتل الرجل بين فكيه.” صدقوني أنني نصحته بقولي: “يا خليل، يا حبيبي، لسانك حصانك.”. وكثير من هذا الكلام الفارغ، الذي علمونا إياه منذ طفولتنا، فجعلونا “صُماً، بُكماً، لا نفهم ولا نستفهم.” ولكنه أبى واستكبر عليّ.. أيهون عليكم أن شاباً أصنعه بيديّ، مثلما كنت أُجسِّم شخصياتي بمعجون ألعاب الطفولة، أجده يفلت من بين يديّ، ويدور في البارات والملاهي خارج أوقات محاضرات المؤتمر الألماني، الذي ذهب إلى ليتعلم منه، فيعود ليُعلِّمَ شباب الأرياف في الأردن. ولكن ماذا سيعلمهم؟ إذ أنه عندما عاد، وكتب مقالاً في جريدة “الرأي” عن الاقتصاد في النفقة، ووضع الكمية التي نحتاجها فقط في صحن الطعام، وضرورة أكل محتويات صحن الطعام كلها، وعدم ترك أية بقايا فيه، وضرورة تصغير صحون الحلويات، كي لا نرمي نصف محتوياتها بعد الشبع في القمامة، استنكرت جارتهم مقاله هذا، وقالت لأُختِه: “هل هذا هو العلم الذي جاءنا أخوك به من ألمانيا؟ قولي له إن الكلاب عندنا شبعانة أكل.”

ولهذا أقول إن الرواية تكتب نفسَها، وليس الروائي هو الذي يتحكم بالشخصيات. وإن شخصيات الرواية أهم من الروائي نفسِه، حتى أنني صرت أغار من شخص خليل هذا، الذي صار الناس يتحدثون عنه، وصار كبار الأساتذة النقاد يستغيبونه ويكتبون عنه. وأنا زعلان منهم، ذلك لأنهم لم يكتبوا كلمة واحدة عن صبحي فحماوي، بل تجد أن الكلام كله عن خليل، هذا الذي فبركتُهُ وركّبتُهُ مثل مكعبات الليجو، فصار كثيرٌ من الناس يتحققون من نظرهم، ملتبسين بمن يرونه يسير في الشارع، إذ قد يكون هو خليل ذات نفسه، الدائر “على باب الهوى”.

ولكن رغم كل ما قيل، فلقد رفع هذا الخليلُ رأسي عالياً، عندما رفض الرقص مع تلك الإنجليزية الشقراء الساحرة الجمال هيلين، القادمة من جنوب إفريقيا، قائلاً لها: “عودوا إلى بلادكم، فإن جنوب إفريقيا هي للأفارقة السود، وليست لكم.” كان يدعوها لعودة جنوب إفريقيا للأفارقة، قائلاً في نفسه: “لعل وعسى أن يكون تحرر جنوب إفريقيا، هو خطوة لتحرر فلسطين، وعودة أهلها لها”.

كانت هيلين تشعر أن هذا العربي الأردني مجنون، إذ لم يجد في المرقص ما يحدثها عنه سوى زنوج إفريقيا المتخلفين، بينما كان خليل يدرك مقولة نيلسون مانديلا: “إن حريتنا في جنوب إفريقيا لن تكتمل بدون حصول الفلسطينيين على حريتهم.” ولهذا انفضت سهرتهما..” وهذا أكد لي أن خليل الذي قد يعتقد أحدكم أنه كان صائعاً ضائعاً في ألمانيا وبلاد أوروبا، إنما كان رجلاً باحثاً، وملتزماً بقضايا وطنه، فشعرتُ أن جيناته الروائية إنما تنبع من صلبي.

إن الرحلات التي صورها خليل في مختلف مدن ألمانيا مروراً بيوغوسلافيا وتركيا فسوريا وصولاً إلى عمان، تخدم القاريء وتنوره، فتكون رواية “على باب الهوى” بذلك “رواية معرفة وتنوير” إضافة لكونها مصدر متعة ولغة عربية بسيطة وجميلة، فيها دراما وشد وتوتر، ليس بالسهولة تجميع معطياتها في سرد روائي بهذه الطريقة المشوقة. إن الشيء الوحيد الذي لا يختلف عليه اثنان، هو أن الصخرة المشرفة في ساحة المسجد الأقصى هي معراج النبي إلى السماء، أو على الأقل هي مسجدٌ مؤكدٌ للمسلمين، فما أن يرى خليل صورتها على لوحة عملاقة أمام مكتب سياحي في فرانكفورت، حتى يهجم عليها، ليُقبِّلها في غربته، فما أن يدنو منها حتى يقرأ عليها عبارة: “زوروا إسرائيل!” الله أكبر! ألم يجدوا غير قبة الصخرة، ليُفرِّجوا عليها خلق الله من السياح العولميين، بصفتها إسرائيل وليست أولى القبلتين!

ولهذا السبب لا تزعلوا من خليل إذا ما ذهب في الليل يبحث عن فيلم سينمائي. كانت الأفلام كلها ناطقة بلغة ألمانية، بعكس الأفلام الإنجليزية التي نشاهدها، وحتى أسماءنا التي نسيت لغتها العربية الجميلة، وصارت مصبوغة بكلمات إنجليزية عوجاء مبتذلة، وعندما اختلطت عليه الأمور، لم يجد مكاناً يقضي بقية مسائه فيه، غير ماخور سينمائي بذيء.

ولقد أحرجني أحد القراء عندما قال لي: “إنك ترسم معاناة العرب من الذين يتحكمون فيهم في بلاد الغرب، إذ يجلبون لهم كلاب المطارات لتتشمم ملابسهم، وتتفحص أجسادهم، ولكنك إذا قارنتها بالعذابات التي يواجهونها على الحدود العربية، كما عومل خليل “على باب الهوى”، تجد أن “ظلم ذوي القربى أشد مضاضة”، هذا ما قاله لي صديقي طرفة بن العبد الذي ما يزال يعيش بيننا، والذي أضاف قائلاً لي: “إن عذابات سجون أبو غريب العربية، هي أشد مضاضة من عذابات سجن غوانتنامو الغربي”.

وقال الدكتور عزوز اسماعيل إن “على باب الهوى” تعتبر رواية مدهشة شيقة فنية ذات خيال جامح، رغم كونها زاخرة بمعطيات الرحلات الجميلة المضحكة المحزنة في ربوع ألمانيا الشرقية والغربية، والموحدة أخيراً ومنها في رحلة إلى شرق أوروبا وتركيا فالوطن العربي. ولهذا نعتبرها رواية أدبية بامتياز وإن كانت الرحلات تشكل عمودها الفقري في السرد.

وقدمت الروائية بشرى أبو شرار مداخلة قالت فيها: إن صبحي فحماوي استطاع بهذه الرواية أن يعبر عن مشاعر العرب الفلسطينيين الذين يزورون الغرب وخاصة ألمانيا، ليشعروا بالمعاملة غير المتكافئة التي يشعر بها الغرب نحو الشرق العربي، بما تقابله مشاعر العرب الشرقيين نحو الغرب. وأن الرواية صورت معطيات الحضارة الغربية المتطورة في ألمانيا، بما فيها من إيجابيات ممزوجة بالأنانية والذاتية، وعدم ترحاب بالعرب الشرقيين.

وفي اليوم التالي استضاف اتحاد كتاب طنطا الروائي صبحي فحماوي في ندوة ضمت أعضاء اتحاد كتاب طنطا، ومنهم الأديب إيهاب الورداني رئيس الاتحاد، وأحمد طايل، وعدد كبير من الكتاب والكاتبات المهتمين بأدب صبحي فحماوي، حيث قدّم نبذة عن تجربته الروائية، لكتابة ثلاث روايات، على شكل ثلاثية، بعنوان “الاستغراب” وذلك رداً على “الاستشراق” الذي يقوم به كتاب آخرون. وتحدث عن الرواية العربية الحديثة، بصفتها متأثرة بـ “ألف ليلة وليلة”، بصفتها “الرواية الأم” حسب رأي فحماوي، وحسب ما كتبه ماهر البطوطي في كتابه “ألف ليلة وليلة، الرواية الأم”، ورواية “دونكيخوتة” التي قال فحماوي إنها ربما تكون قد أُخذت من كاتب عربي مورسكي أندلسي هارب من بطش محاكم التفتيش القشتالية.

وتلى الحديث أسئلة كثيرة حول رواية “على باب الهوى” وحول الدراما المسرحية المتشبثة بالشد والتوتر لمتابعة الأحداث المتلاحقة، الذي يصبغ روايات فحماوي.