عندما رآها تدخل من باب المنزل مع شقيقته، وقف ينظر إليها كالصنم . تسمر مكانه، احمر وجهها الأبيض خجلاً وعدلت شيلتها لتغطي شعرها البني المنسكب كالشلال على ظهرها نظرت إليه بعينيها العسليتين وبشرتها البيضاء المائلة إلى اللون الزهري فشعر بسهم “كيوبيد” يخترق فؤاده ويسلب عقله من رأسه، كان حباً من النظرة الأولى، وما هي إلا أشهر حتى أصبحت زوجته، كاد يطير من الفرح . . لم يسعه الكون، شعر بأنه ملك العالم عندما وافق أهلها عليه . . بدت أكثر من رائعة بثوب الزفاف، كانت كالملكة تختال بين رفيقاتها وترقص معهن “إنها أجمل عروس رأتها عيناي” قالت شقيقته له: “بالمبارك يا أخوي ونعم الاختيار” . قال إن الله يحبني كي ترضى بي تلك الإنسانة الرائعة، فأجابته ولِمَ لا تقول إن الله يحبها هي لتحظى بشاب مثلك؟ فأنت ما شاء الله أخلاق وعلم أدب ووسامة ثم لا تنسى الثروة التي تملكها، ولمعلوماتك لقد كنت حلم فتيات الفريج، وقد متن قهراً عندما علمن بأنك ستتزوج، ونصفهن قد أتين فقط ليرين من التي اختار الشاب الوسيم الثري، لكن للحقيقة تستأهل فهي فعلاً فتاة رائعة ليس فقط في الشكل بل في كل شيء إنها صديقتي وأعرف أخلاقها جيداً كما أنها ابنة عائلة محترمة . وفقكما الله يا أخي منك المال ومنها العيال عسى الله يبعد عنكما الحسد والحساد لأنكما تشكلان ثنائياً رائعاً ثم ألا يقولون بأن الإنسان منا يبحث عن نصفه الآخر وهي نصفك الآخر فعلاً؟ سبحان الله فبينكما أشياء كثيرة مشتركة حتى لتقول إنها شقيقتك وليست زوجتك، فأنت وسيم وهي جميلة جداً لديك المال مثلها وابن عائلة معروفة وهي أيضاً لكن الذي يحير هو اسماكما فهل يعقل هذا أنت اسمك “بدر” وهي “بدور”، إنها أكثر من مصادفة فهل يعقل أن يكون التقارب حتى في الأسماء؟ ويوم زفافكما هو 7/7/87 وهذا تاريخ لا ينسى ورقم سبعة من أفضل الأرقام يعني ما يجمعكما غريب عجيب وإن شاء الله ستنجبان أولاداً رائعي الحسن، ضحك وقال أين أصبحت في تفكيرك يا شقية دعينا قبل أن ننجب نزور العالم وتكون لي أنا فقط لا تتقاسم حبي مع أحد، فأنا أناني جداً عندما يتعلق الأمر بها .


فعلاً كانت حياتهما مليئة بالسعادة والحب التفاهم والمعاملة الحسنة، أنجبا خلالها ولدين وابنتين ملآ حياتهما بهجة، كانا يسافران كل عام إلى بلد وقد زارا تقريباً كل بلدان العالم كما قرر عندما تزوجها وكان حبهما يقوى ويزيد مع الأيام حتى إنهما كانا بالفعل محسودين من الكثير، خاصة عندما يحتفلان بعيد زواجهما فكان يبدل لها سيارتها كل عام ليأتيها بالشكل الجديد، وفي عيد ميلادها كان يهديها طقماً من الألماس هذا عدا عما تبتاعه هي من هنا وهناك، كانت فيلتهما مقصداً للفقراء قبل الأثرياء مثلهما، فكان الخارج خارجاً والداخل داخلاً عدا عن أصدقاء الأولاد، فقد كان “بدر” من النوع المنفتح على العالم بالطبع يقيم وزناً للقيم والتقاليد، لكنه لا يمنع الاختلاط فالبنات لديهن أصدقاء شباب في الجامعة الأمريكية في دبي وبالطبع ابنه البكر أيضاً أما الصغير فكان لا يزال في المدرسة لم يتعد الثامنة عندما حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد سافرا كالعادة في كل صيف لقضاء العطلة في المنزل الذي يملكانه في دولة عربية شقيقة والذي يهتم به في غيابهما رجل وزوجته، ولم يمض أسبوع على الإجازة حتى جاء من الشركة اتصال ببدر لشيء طارئ فاضطر لأن يترك زوجته وأولاده ويعود إلى البلاد لحل المشكلة، اعتقد أن غيابه لن تطول فتركهم هناك برفقة السائق والمرأة التي تهتم بالطبخ، وزوجها المزارع كان يكلمهم كل يوم عدة مرات وكان يطلب منها أن تخرج مع الأولاد وألا يبقوا في المنزل في انتظار عودته التي يمكن أن تطول، فقال لها: لا بأس عليك يا حبيبتي اخرجي إلى النادي حيث تحبين أن تجلسي مع صديقاتك وهكذا تتسلين والأولاد يمارسون رياضتهم المفضلة ويرون أصدقاءهم أيضاً وعندما أعود سوف أعوضكم، سنبقى شهراً آخر وهذا وعد مني، وهكذا فعلت كانت تذهب برفقتهم إلى النادي الذي اشترك لهم به، كانت تجلس مع شلة من النساء اللواتي تعرفت إليهن منذ أعوام حتى إن بعضاً منهن كن يزرنها في بلدها، وفي يوم كانت جالسة تنتظرهن فجاء “الغرسون” ليسألها عما تريد أن تشرب أو تأكل فنظر إليها كأنه رأى شبحاً فقالت ما بك هل أشبه أحداً تعرفه؟ فارتبك وقال: وهل هناك من يشبهك مستحيل! ما شاء الله لقد سحرتني بجمالك الأخاذ فلم أكن اعتقد أن في هذه الدنيا إنسانة بنصف جمالك . ارتبكت هي الأخرى ولم تعرف هل تصرخ في وجهه أم توقفه عند حده لكنها لم تنطق بحرف فقد صمتت فقط . شعر بها وقال: أنا آسف اعذريني من فضلك لكن لا أعتقد أن من يراك لا يقول الكلام نفسه الذي قلته وسأظل أقوله كلما أراك حتى لو كلفني هذا الشيء الطرد من عملي . أجابت وعيناها في قائمة الطعام سوف أتناول القهوة في انتظار وصول صديقاتي ومن فضلك أريدها سادة أجابها بالطبع لأنها ستصبح قطراً عندما ترتشفينها ثم ذهب لتلبية طلبها فشعرت بقلبها يخفق بقوة، استغربت الأمر، فهي لم تتأثر في حياتها بنظرات الإعجاب أينما ذهبت ولا بالكلام الذي تسمعه في مراكز التسوق من الرجال فلماذا الآن؟ عاد سريعاً يقدم لها القهوة قبل مجيء السيدات وقال: أنا حضرتها لك بيدي مع أنه ليس عملي لكنني وضعت لك فيها نوعاً من السحر حتى تشفقي علي وتنظري إلي ولو نظرة واحدة، خجلت لكنها قالت له بحزم: أشكرك على القهوة وأعطته ظهرها فقال: مقبول منك كل شيء، بقيت لأسبوع تذهب إلى النادي وتسمع كلاماً منه أكثر من اليوم الذي سبقه، وعندما كانت غارقة في التفكير ترتشف قهوتها كالعادة سمعت صوت صديقتها آتية نحوها وهي تقول: ألم تستطيعي انتظاري حتى أشرب القهوة معك ثم التفت إلي “الغارسون” الذي كان لا يزال واقفاً وقالت: أعطني من فضلك فنجان قهوة قال: حاضر وذهب وعيناه معلقتان ببدور . قالت صديقتها: الله أكبر هل رأيته أجابتها بدور من ؟ قالت هذا “الغارسون” الشاب انه وسيم جداً ما شاء الله، ما هذا إنها المرة الأولى التي أراه فيها، لا بد أنه جديد هنا لكن يجب أن يعمل في مجال عرض الأزياء أو التمثيل، فهل رأيته عضلاته وطوله؟ ما أجمل وجهه وشعره سبحان الخالق قمر سأسله عن اسمه عندما يأتي قالت بدور: ما لك وله دعيه وشأنه؟ إن رآك أحد تكلمينه ماذا سيقول؟ أجابتها سيقولون إنني أسأله عن الطعام وضحكت قائلة: ما بك اليوم لما أنت جدية هكذا؟ دعينا نتسلى قليلاً صمتت “بدور” ولم تخبرها عما قال وكيف تصرف معها، وعندما أتى بفنجان القهوة نظرت إليه صديقتها وقالت أنت جديد هنا؟ أنا لم أرك قبلاً أجابها: نعم سيدتي فقد انتقلت إلى هنا اليوم فقط فبالأمس أنهيت دراستي الجامعية في إدارة الفنادق وها أنا أعمل “غرسون” في انتظار البحث عن عمل عند انتهاء فصل الصيف فقالت: أنا أساعدك في إيجاد عمل إذا أردت فلدي معارف كثر يريدون خدمة لي قال: شكراً لك سيدتي ثم نظر إلى “بدور” وقال: أنا أفضل أن أبقى “غرسونا” هنا وأمتع نظري برؤية جمالكما على أن أعمل مديراً في فندق ستة نجوم فالنجوم هنا أمامي . ضحكت وقالت: أنت فعلاً تتقن الكلام المعسول . على فكرة ما اسمك؟ قال أحمد فأجابت وهي تنظر إليه كالمسحورة أنا أحمد الله على أنك هنا، لكنها رأته ينظر إلى “بدور” ويوجه كلامه كله إليها مع أنها لم تنظر إليه لكنها كانت تشعر بنظراته تخترق ظهرها وكلامه ينساب من أذنيها إلى قلبها، ثم اعتذر منهما قائلاً: للأسف لدي عمل لكن إن احتجتما إلى أي شيء فنادياني وأنا سأكون في لحظات هنا . نظرت إليها صديقتها وهي تقول: افرحي يا حبيبتي لقد أعجب بك، لكن ما عليه هذه ضريبة أدفعها لأنني صديقة أجمل امرأة في النادي وأنا أعرف أن لا أمل لي، انتهى النهار و”أحمد” لم يبعد نظره عن “بدور” لبى طلباتهن وصديقتها كلها بفرح كبير، عادت إلى المنزل وكلامه يتردد في أذنيها لم تستطع النوم وكانت تلوم نفسها على مجرد التفكير به اتصلت بزوجها عدة مرات تسأله عن موعد عودته كأنها كانت خائفة أن تضعف أمام الذي حرك مشاعر لم تتحرك منذ فترة طويلة، لكنها خجلت من نفسها فهو في سن ابنها الشاب تقريباً، فهي قد تخطت الخامسة والأربعين، استيقظت من رقادها على صوت ابنتها وهي تقول لها: أمي هل أنت مريضة لا سمح الله؟ لماذا لا تزالين نائمة؟ أجابتها بخجل كأنها خائفة من أن تفضحها عيناها لا شيء يا حبيبتي أنا فقط مشتاقة إلى والدك وكلمته عدة مرات حيث أصابني الأرق في الليل . أجابتها: أنا أحسد زوجك هذا فأنت تحبينه أكثر منا، هيا قومي إذن أيتها الكسولة ما دمت لست مريضة لنذهب إلى النادي فصديقاتي ينتظرنني هناك قالت: لا اذهبي مع شقيقيك وشقيقتك فأنا أريد أن أنام فقالت: لا إن لم تذهبي فلن نذهب وسنبقى هنا معك، فقامت قائلة: حسناً أيتها الشقية دعيني آخذ حمامي وأرتدي ملابسي ثم نذهب . وقفت أمام المرآة طويلاً تنظر إلى وجهها لترى التجاعيد الخفيفة التي بدأت تزحف إلى أطراف عينيها ووجهها فأخذت كريم الأساس وبدأت تمسحه على وجهها لتغطي التجاعيد ثم احتارت ماذا ترتدي، شعرت انها عادت عشرين عاماً إلى الوراء فقلبها يخفق كلما فكرت في نظراته وكلامه . وصلت إلى النادي متأخرة عن موعدها فقد أصبح تقريباً وقت الغذاء وكانت صديقاتها ينتظرنها على أحر من الجمر وكذلك أحمد الذي عندما رآها تدخل ركض إليها يرحب بها ويقول خفت: ألا تأتي مَنْ هؤلاء الذين معك ؟ أجابت: أولادي فقال أنت متزوجة ؟ قالت: يا بني أنا من سن والدتك قال: مستحيل فأنت تبدين في نهاية العشرينات ضحكت وقالت: أشكرك على المجاملة سألها أين زوجك قالت: عاد إلى البلاد من أجل عمل عاجل وسيعود قريباً، أجابها: لو كنت أنا زوجك لما تركتك لحظة واحدة، سأترك كل شيء وأجلس في المنزل فقط لأنظر إليك ولن أدعك تخرجين من دوني لأن من يراك سيقع في غرامك منذ الدقيقة الأولى كما حصل معي، قالت: من فضلك احتفظ بإعجابك وكلامك لنفسك، فأنا أحب زوجي ولا أسمح بأن يكلمني هكذا أي شخص غيره قال لو كنت أزعجك سأصمت لكن أن تمنعيني من أن أكون معجباً ومغرماً بك فاسمحي لي إنها مشاعري ولا سلطة لك عليها . تركته وسارت بخطى متعثرة فتبعها قائلاً: بصوت خافت: نسيت أن أقول لك إنك تبدين رائعة الجمال اليوم، أنا أحسد زوجك، صدقيني، وصلت إلى طاولتها المعتادة وجلست فبدأت كلمات الإعجاب تنهال عليها من صديقاتها فهي بالعادة تأتي بثياب الرياضة أو أي ثياب عادية مع “كاب” على رأسها لحمايتها من الشمس ولم تكن تضع أي ماكياج على وجهها، لذلك تعجبن وسألنها: لم كل تلك الأناقة اليوم هل أنت مدعوة إلى مكان ما؟ فارتبكت وقالت: نعم بالفعل أنا مدعوة إلى مطعم مع صديقة لي أتت من الإمارات وسألاقيها بعد أن أشرب القهوة معكن، لذلك قلت: أرتدي ملابسي منذ الآن حتى لا أضطر إلى العودة للمنزل فأذهب من هنا إليها، صدقن كلامها وبدلن الحديث بينما هي تفكر وتقول بينها وبين نفسها يا الله لماذا هذه الكذبة؟ أين سأذهب الآن؟ فهي كانت تريد البقاء، لامت نفسها على تصرفها الطائش فجلست قليلاً ثم اعتذرت منهن لتذهب وتنادي ابنتيها قائلة: أنا سأعود إلى المنزل أشعر بالنعاس لكنني قلت لصديقاتي إنني مدعوة إلى الغذاء حتى لا يتمسكن بي فلا تكذبيني إن سألنك عني هيا قولي هذا الشيء لشقيقتك أيضاً، هيا لا تعودوا إلى المنزل باكراً من أجلي فأنا أريد أن أرتاح قليلاً، وصلت إلى المنزل خلعت حذاها العالي وفستانها الطويل الذي يظهر أن جسدها لم يتأثر بالولادة ولا بالحمل، مسحت الماكياج عن وجهها ودخلت تأخذ حماماً ساخناً علها تنفض عنها تلك الأفكار السيئة التي كانت تدور برأسها، فكرت بزوجها الطيب الحنون المحب الرائع لكن، ليته يسمعها كلمة حلوة أو يتغزل بها كما كان يفعل من قبل، فالمرأة بحاجة لسماع كلمات تدغدغ مشاعرها وتشعرها بأنوثتها وجمالها اللذين اعتقدت أنها فقدتهما مع مرور الأيام لكنها عادت وتذكرت حياتها وعائلتها السعيدة وظلت تردد كل فترة بعد الظهر أستغفر الله العظيم، يجب أن أسافر فلا أريد أن أقع في المحظور أنا زوجة وأم لا يحق لي حتى التفكير بغير هذا، أمسكت الهاتف تتصل بزوجها وتقول إن لم تأت اليوم أو غداً في أقصى حد فأنا سوف أذهب إليك، هل مللت هناك؟ أجابها قالت: لا لكنني اشتقت إليك جداً .


يتبع ....