أنس بن مالك رضي الله عنه

الحرالباكي

بيلساني لواء

إنضم
Apr 20, 2009
المشاركات
3,591
مستوى التفاعل
46
المطرح
طرابلس الغرب/حي الأندلس
أنس بن مالك رضي الله عنه


كان أنس بن مالك في عمر الورد حين لقنته أمه (( الغميصاء )) الشهادتين , و ملأت فؤاده الغض بحب نبي الإسلام محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام ...

فشغف أنس به حباً على السماع .

ولا غرو , فالأذن تعشق قبل العين أحياناً ...

وكم تمنى الغلام الصغير أن يمضي إلى نبيه في مكة أو يفد الرسول الأعظم (
sallah.gif
) عليهم في (( يثرب )) ليسعد برؤياه و يهنأ بلقياه .

***

لم يمض على ذلك طويل وقتٍ حتى سرى في (( يثرب )) المحظوظة المغبوطة أن النبي صلوات الله وسلامه عليه و صاحبه الصديق في طريقهما إليها ... فغمرت البهجة كل بيت , وملأت الفرحة كل قلب ...

وتعلقت العيون و القلوب بالطريق المبارك الذي يحمل خطا النبي (
sallah.gif
) و صاحبه إلى (( يثرب )).

***

و أخذ الفتيان يشيعون مع إشراقة كل صباح :

أنّ محمداً قد جاء...

فكان يسعى إليه أنس مع الساعين من الأولاد الصغار ؛ لكنه لا يرى شيئاً فيعود كئيباً محزوناً.

***

وفي ذات صباح شذي الأنداء, نضير الرواء, هتف رجال في (( يثرب )) إن محمداً و صاحبه غدوا قريبين من المدينة.

فطفق الرجال يتجهون نحو الطريق الميمون الذي يحمل إليهم نبي الهدى والخير ...

ومضوا يتسابقون إليه جماعاتٍ جماعاتٍ , تتخللهم أسراب من صغار الفتيان تزغرد على وجوههم فرحة تغمر قلوبهم الصغيرة , و تترع أفئدتهم الفتية ...

وكان في طليعة هؤلاء الصبية أنس بن مالك الأنصاري.

***

أقبل الرسول صلوات الله وسلامه عليه مع صاحبه الصِّدِّيق , و مضيا بين أظهر الجموع الزاخرة من الرجال والولدان ...

أما النسوة و الصبايا الصغيرات فقد علون سطوح المنازل , وجعلن يتراءين الرسول صلوات الله وسلامه عليه و يقلن :

أيهم هو؟! ... أيهم هو؟!.

قكان ذلك اليوم يوماً مشهوداً ...

ظل أنس بن مالك يذكره حتى نيف على المائة من عمره .

***

ما كاد الرسول الكريم (
sallah.gif
) يستقر بالمدينة ؛ حتى جائته ((( الغميصاء بنت ملحان )) أم أنس , وكان معها غلامها الصغير , وهو يسعى بين يديها , و ظفيرتاه تتذبذبان على جبينه ...

ثم حيت النبي عليه الصلاة والسلام وقالت :

يا رسول الله ... لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفك بتحفة , و إني لا أجد ما أتحفك به غير ابني هذا ...

فخذه فليخدمك ما شئت ...

فهش النبي (
sallah.gif
) للفتى الصغير و بش , و مسح رأسه بيده الشريفة , و مس ظفيرته بأنامله الندية , وضمه إلى أهله .

***

كان أنس بن مالك أو (( أُنَيْسٌ )) - كما كانوا ينادونه تدليلاً - في العاشرة من عمره يوم سعد بخدمة النبي صلوات الله وسلامه عليه .

وظل يعيش في كنفه ورعياته إلى أن لحق النبي الكريم (
sallah.gif
) بالرفيق الأعلى .

فكانت مدة صحبته له عشر سنوات كاملات , نهل فيها من هديه ما زكى به نفسه , ووعى من حديثه ما ملأ به صدره , و عرف من أحواله و أخباره و أسراره و شمائله ما لم يعرفه أحد سواه .

***

و قد لقي أنس بن مالك من كريم معاملة النبي صلوات الله وسلامه عليه ما لم يظفر به ولد من والد ...

وذاق من نبيل شمائله , و جليل خصاله ما تغبطه عليه الدنيا .

فلنترك لأنس الحديث عن بعض الصور الوضاءة من هذه المعاملة الكريمة التي لقيها في رحاب النبي السمح الكريم (
sallah.gif
) , فهو بها أدرى , و على وصفها أقوى ...

قال أنس بن مالك :

كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من أحسن الناس خلقاً , و أرحبهم صدراً . و أوفرهم حناناً ...

فقد أرسلني يوماً لحاجة فخرجت , وقصدت صبياناً كانوا يلعبون في السوق لألعب معهم و لم أذهب إلى ما أمرني به , فلما صرت إليهم شعرت بإنسانٍ يقف خلفي , و يأخذ بثوبي ...

فالتفت فإذا رسول الله (
sallah.gif
) يتبسم و يقول :

( يا أنيس أذهبت إلى حيث أمرتك؟ ).

فارتبكت و قلت : نعم ...

إني ذاهب الآن يا رسول الله ...

والله لقد خدمته عشر سنين , فما قال لشيءٍ صنعته : لم صنعته ؟! ...

ولا لشيءٍ تركته : لم تركته ؟! .

***

وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه إذا نادى أنساً ناداه (( أنيساً )) بصيغ التصغير تحبباً و تدليلاً ؛ فتراة يناديه يا أنيس , و أخرى يا بُنَيَّ .

و كان يغدق عليه من نصائحه و مواعظه ما ملأ قلبه و ملك لبه .

من ذلك قوله له :

( يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل ...

يابني إن ذلك من سنتي , و من أحيا سنتي فقد أحبني ...

و من أحبني كان معي في الجنة ...

يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم يكن بركة عليك و على أهل بيتك ) .

***

عاش أنس بن مالك بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من ثمانين عاماً ؛ ملأ خلالها الصدور علماً من علم الرسول الأعظم (
sallah.gif
) , وأترع فيها العقول فقهاً من فقه النبوة ...

و أحيا فيها القلوب بما بثه بين الصحابة والتابعين من هدي النبي (
sallah.gif
) , و ما أذاعه في الناس من شريف أقوال الرسول الأعظم (
sallah.gif
) و جليل أفعاله .


وقد غدا أنس على طول هذا العمر المديد مرجعاً للمسلمين , يفزعون إليه كلما أشكل عليهم أمر , و يعولون عليه كلما استغلق على أفهامهم حكم .

من ذلك , أن بعض الممارين في الدين جعلوا يتكلمون في ثبوت حوض النبي (
sallah.gif
) يوم القيامة , فسألوه في ذلك , فقال :

ما كنت أظن أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض , لقد تركت عجائز خلفي ما تصلي إحداهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي عليه الصلاة والسلام .

***

و لقد ظل أنس بن مالك يعيش مع ذكرى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ما امتدت به الحياة ...

فكان شديد البهجة بيوم لقائه . سخي الدمعة على يوم فراقه , كثير الترديد لكلامه ...

حريصاً على متابعته أقواله و أفعاله , يحب ما أحب , و يكره ما كره , و كان أكثر ما يذكره من أيامه يومان :

يوم لقائه معه أول مرة, و يوم مفارقته له آخر مرة.

فإذا ذكر اليوم الأول سعد به و انتشى , و إذا خطر له اليوم الثاني انتحب و بكى , و أبكى من حوله من الناس .

و كثيراً ما كان يقول : لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يوم دخل علينا , و رأيته يوم قُبض منا , فلم أرَ يومين يشبهانهما .

ففي يوم دخوله المدينة أضاء فيها كل شيء ...

وفي اليوم الذي أوشك فيه أن يمضي إلى جوار ربه أظلم فيها كل شيء ...

و كان آخر نظرة نظرتها إليه يوم الإثنين حين كشفت الستارة عن حجرته , فرأيت وجهه كأنه ورقة مصحف , و كان الناس يومئذٍ وقوفاً خلف أبي بكر ينظرون إليه , و قد كادوا أن يضطربوا , فأشار إليهم أبو بكر أن اثبتوا .

ثم توفي الرسول عليه الصلاة والسلام فما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجهه - (
sallah.gif
) - حين واريناه ترابه .

***

ولقد دعا رسول الله صلوات الله عليه لأنس بن مالك أكثر من مرة ...

وكان من دعائه له :

( اللهم ارزقه مالاً وولداً , و بارك له ) ...

وقد استجاب الله سبحانه دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام , فكان أنس أكثر الأنصار مالاً , و أوفرهم ذرية ؛ حتى إنه رأى من أولاده و حفدته ما يزيد على المائة .

وقد بارك اله له في عمره حتى عاش قرناً كاملاً ...

و فوقه ثلاث سنوات .

وكان أنس رضوان الله عليه شديد الرجاء لشفاعة النبي (
sallah.gif
) له يوم القيامة ؛ فكثيراً ما كان يقول :

إني لأرجوا أن ألقى رسول الله (
sallah.gif
) يوم القيامة فأقول له :

يا رسول الله هذا خويدمك أُنَيْس .

***

ولما مرض أنس بن مالك مرض الموت قال لأهله :

لقنوني لا إله إلا الله, محمد رسول الله .

ثم ظل يقولها حتى مات .

وقد أوصى بعصية صغيرة كانت لرسول الله (
sallah.gif
) بأن تدفن معه , فوضعت بين جنبه و قميصه .

***

هنيئاً لأنس بن مالك الأنصاري على ما أسبغه الله عليه من خير .

فقد عاش في كنف الرسول الأعظم (
sallah.gif
) عشر سنوات كاملات ...

و كان ثالث اثنين في رواية حديثه هما أبو هريرة , و عبد الله بن عمر ...

وجزاه الله هو و أمه الغميصاء عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء
​
 

إنضم
Oct 3, 2008
المشاركات
6,719
مستوى التفاعل
69
المطرح
دمشق باب توما
رجل من الصحابة بالف رجال اللهم ارضى عنهم​
 

الحرالباكي

بيلساني لواء

إنضم
Apr 20, 2009
المشاركات
3,591
مستوى التفاعل
46
المطرح
طرابلس الغرب/حي الأندلس
11cy0qv9.gif


جزاكم الله خير على المرور

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال​
 
أعلى