الشيخ محي الدين بن عربي..

DE$!GNER

بيلساني محترف

إنضم
Apr 4, 2011
المشاركات
2,637
مستوى التفاعل
44
المطرح
بين الأقلام والألوان ولوحات التصميم
لستُ أدري بمَ أبدأ حديثي عن شخص مثل شخص محي الدين بن عربي أو من هو معروف باسم «الشيخ الأكبَر». في الحقيقة، إن قلمي يطأطئ رأسه خجَلاً أمامَ هذه القامَة الروحية العليا. والحق أن هذا الشخص لو وُلِدَ في الهند لسمَّوْه هناك بالمهاتما أي «الروح العظمى»، أو باسم راما كريشنا التي تشير إلى المتَّحِد بالله الذي يُصبِح صورةً حيةً له على الأرض، هكذا يفكِّر الهندوس واليوغيون في الهند الروحانية.
تزداد حيرةُ قلمي، أفهل هذا الشخص من طينتنا نحن البشر أم من طينة إلهية؟! ولعلَّني لا أستغرب قوله بأنه خاتَمُ الأنبياء، لكن المشكل الذي يطرح نفسه أنني أراه أو يتراءى لي أكثر من وليّ، فهو شخص، كيان قائم في ذاته، منارةٌ من أعلى منارات الإسلام عبر التاريخ وفي الكون، منارة تشعّ حقائق وأسرار الإسلام، أو الأصحّ هو القول إن ابن عربي بحرٌ كوني يدفع بأمواجه على عتبات الكون الدُّرَر، والجواهر، وتفيض منه الأنوار!!
وأنا لستُ سوى دويدة صغيرة تحاوِل أن تستكشِف جبلاً، فماذا بوسعها أن تقول، وكل ما سوف تقوله سوف يظل القليل القليل.. لكن، ثمة واقِعَة استطعتُ تلمّسها عند ابن عربي ألا وهي ما هو أشبه بالعقدة الكونية التي يلتقي فيها الإسلام الشيعي بالإسلام السني، وأيضاً بالأديان كلها، وينتهي إلى إدراك حقيقة مفادها أن الشيعة والسنة هما وجهان لحقيقة واحدة هي الإسلام، لا يستطيع وجه واحد منهما احتكار الإسلام لنفسه، فهما وجهان يتكاملان ليجعلا من الإسلام منارةً كونية، ورسالة حضارية، فالتشيّع هو بشكل أو بآخَر إبراز الجانِب الصوفي من الإسلام كما نراه يتألّق في العرفان الإسماعيلي، والسنّة بدورها بإخلاصها وحبّها للرسول الكريم الذي يتحوّل ليصير تصوّفاً يتبع الشريعة، لكن هذه الأخيرة عمِل شيخنا الأكبر على تأويلها ليس من حيث التقليل من قيمتها وإنما إبراز الجانب الجوهري منها وإدراكه، الأمر الذي يجعل من الشريعة إطاراً لا أكثر نستطيع تلمّس الإلهي من خلاله، والحقّ أن رحيل ابن عربي إلى المشرق لم يأتِ عبثاً، فهو ترك الغرب، واتّجه إلى المشرق، ليؤكِّد لنا على عظمة المشرق الروحية، لأن الغرب قد غرق في أوحال المادة والترف والعنف ونسِيَ هو الأخير رسالته الحضارية التي أتى بها علماؤه وفلاسفته وفنانوه العظماء!!
ولكن، ما هي قصّة هذا المشرِق؟! إننا عندما نتحدّث عن الفلسفات الشرقية، فغالباً ما نتطرّق إلى الفلسفة العربية أو الهندية أو الصينية أو اليابانية، ولكننا ويا للأسف ننسى أمراً هاماً وأساسياً، ألا وهو الفلسفة الإيرانية التي تألّقَت على يد الملا صدر الدين الشيرازي في القرن السابع عشر، ولا ننسى أن إيران كانت نبعاً تدفّقَت منه أرواحٌ عظمى قديماً مثل زرادشت الذي ربما كان على أحر من الجمر بانتظار وصول إشعاع الإسلام مروراً بماني الذي أكرمته إيران آنذاك أيما إكرام، ومع وصول الإسلام أخيراً إلى إيران تدفّقَت ينابيع هائلة خرج منها السهروردي الإشراقي في القرن الثاني عشر، ولعل أحد معاصري ابن عربي كان روزبهان البقلي الشيرازي (تُوفّيَ سنة 1209م) وكان ممن يُسَمّون في عرف التصوف بـ «أرباب الهوى» وهو الذي مهّد إلى ظهور شاعر إيراني آخر اعتبره غوته الألماني أحد أعظم أربعة شعراء في العالَم ألا وهو حافظ الشيرازي، كما لن ننسى بالطبع أبي يزيد البسطامي بشطحاته الصوفية الشهيرة، ولن ننسى فريد الدين العطار النيسابوري الذي توفي سنة 1220م والذي حمَل جلال الدين الرومي حين كان طفلاً بين ذراعيه وتنبّأ له بمستقبل صوفي كبير، وترك فريد الدين العطار النيسابوري أثراً عظيماً في التصوف، وهو «منطق الطير». وبالفعل حصل ما تنبّأ به النيسابوري، فها هي ذي قمة من قمم الروحانية في الإسلام تتألق في شخص مولانا جلال الدين الرومي الذي أتى من فارس هرباً من اجتياح المغول، وتذكر بعض المراجِع بأنه تم لقاء بين هذين الجبَلين في بلاد الأناضول وأنا أقصد بالجبل الآخر الشيخ محي الدين بن عربي.
والحق أن آسيا الوسطى أو ما نسميها الآن بتركيا لم تعرف التصوف الحقيقي ولا حتى روحانية الإسلام، وكان تاريخها مفعماً بالمجازر التي ارتكبتها بحق شعوب أخرى، واشتهرَت بأطماعها في البلاد التي تجاورها، ومنها أتى العثمانيون الذين أغرقوا منطقتنا العربية بالظلمات على مدى عصور طويلة، وليس هذا فحسب بل إن ما يُسمّى الآن بتركيا قد قامت باحتكار مولانا جلال الدين الرومي على الرغم أن أعظمَ ما كتبَه (وهو «المثنوي») قد تمّ نظمه شعراً باللغة الفارسية، وانتماؤه إلى فارس لا إلى تركيا.

الشيخ الأكبر


نعود إلى وليِّنا ابن عربي فوجوده في بلاد الأناضول لم يكن له من معنى أكثر من حمله نور الإسلام الروحي إلى تلك البقعة الفقيرة روحياً، وبالتالي فإن مقامه بمدينة قونية كان له أهمية عظمى في مصير ووجهة الحياة الروحية للتصوف في المشرق الإسلامي بكامله. فهناك التقى تلميذه صدر الدين القونوي الذي كان صديقاً لمولانا جلال الدين الرومي. وتلميذ ابن عربي (أي صدر الدين القونوي) شاء أن يموت ويُسَجّى بثياب معلمه ابن عربي، هذا من جهة، ولن ننسى عظمة قامة ابن عربي حين نتذكّر أن شيخاً كبيراً في عالَم الصوفية والفتوّة والجهاد وهو الأمير عبد القادر الجزائري لم يشأ أن يُدفَن إلا إلى جانب من اعتبره معلِّمَه ومُلهِمَه الروحي، وهو الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي. وكان الأمير عبد القادر الجزائري قد علّمَنا أن الجهاد على أرض الواقِع ملازِم للجهاد الروحي للمتصوف، هذا الجهاد الذي يُسمّى بالفتوة في صوفية الملاماتية علماً أن الشيخ الأكبر كان قد اعتبر نفسه ملاماتياً. وعلّمَنا الأمير عبد القادر الجزائري معاني الفتوة بأن هنالك جهادين، جهاد زائف وهو عنف أناني لا يعرف معاني الجهاد والتضحية، ويأخذ معاني التعصب والأخذ بالثأر، وجهاد آخَر وهو الجهاد الحقيقي الذي يرتبِط بمعرفة العدو الحقيقي، ومواجهته ضمن حضور التجربة الصوفية، أي الوعي الذي انطلاقاً منه وحده فقط ندرك بأن الشيطان يتنكّر بهيئة ملاك من نور، وينفث فينا سموم البغضاء والتفرقة ويزيّن لنا بأنها جهاد وهي جهل لا جهالة بعده.
أعود إذن إلى نقطة كنت أشرت إليها، هي أن ابن عربي يشكل عقدة كونية يلتقي فيها التصوف الشيعي والعرفان الإسماعيلي بالتصوف السني، وليس عبثاً استضافة ابن عربي من قِبَل عائلة نبيلة إيرانية تنحدِر من أصفهان حيث التقى فتاة كانت ابنة الشيخ الذي استضافه، فمثّلَت هذه الفتاة لابن عربي ما مثّلَته بياتريس لدانتي، وكما يعبّر هنري كوربان «لقد كانت وظلّت بالنسبة لابن عربي المظهَر الدنيوي للصورة المتجلاة للحكمة الخالِدَة، وإليها يدين بتعلمه لمذهب العاشقين».
فكما أشرت، أنه في شخص ابن عربي يتصالَح التشيّع أو الشيعة مع السنة، ويلتقيان في ألَق صوفي. وفيما يسميه دارسو ابن عربي مرحلة النضج عنده، يشير هنري كوربان إلى بعض فصول كتاب «الفتوحات المكية» التي تعبق بالشذى الشيعي مثلما هو الحال في الفصل الرابع والثلاثين من طبعة القاهرة المجلد الأول الصفحة 195 والذي يتناول فيه «سر سلمان» (سلمان الفارسي أو سلمان بك) يقول هنري كوربان: «ابن عربي يربط بسلمان أولئك الذين يسميهم التصوف "أقطاباً" باعتبارهم ورثة له وهو يتأول بكلمات لا يمكن لأي شيعي إلا أن يصدق عليها، الآية 35 من سورة الأحزاب، التي هي أحد أسس التشيّع (وهي الآية التي تُقدِّس الأربعة عشر المعصومين: النبي الكريم، وابنته فاطمة، والأئمة الاثني عشرة)».
أخيراً وليس آخراً..
ماذا بوسعي أن أكتب أو أعبِّر عن عظيم وطأت قدماه تراب دمشق فحوّلَته ذهباً، لم يشأ ابن عربي أن يترك دمشق التي عاين بولس نور المسيح على أبوابها، دمشق التي قامت عليها مآذن الجامِع الأموي، والتي تكاد تصبح أسطورة للأساطير كلها، فشهِدَت علماء كبار وشيوخ طرق وأولياء وقديسين، لم يشأ هذا العظيم أن يترك دمشق جائعة فترك رفاته فيها ومع رفاته ترك بركته على هذه المدينة المقدّسَة، ولعلّه بين الحين والآخَر يطوف في سمائها، يحرسها أو يحرس العباد المخلصين والطيّبين والمسالِمين والودعاء من كل حدب وصوب، ولعله يذرف دموعاً روحية على ترابها ليجعله خصباً ويهيّئه لولادات روحية لا تنضب!!
ولعله تتناهى إلى مسامع قلوبنا وهو يردد أبياته الشهيرة لا في سماء دمشق فحسب بل في سماء سورية، وفي سماء الكون كله يقول فيها:
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة ..|.. فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثانٍ وكعبة طائف ..|.. وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجّهت ..|.. ركائبه فالحب ديني وإيماني

[h=2]سيرة حياته[/h]
[h=3]ولادته[/h]

حين رأى أبو بكر محمد ابن العَرَبي (وهو الاسم الذي يُختصَر في ابن عربي) النور في مدينة مرسية بجنوب شرق إسبانيا يوم 17 رمضان من عام 560 للهجرة، الموافق ليوم 28 تموز 1165م، كان ذلك متزامناً مع التقويم الهجري للذكرى الأولى للإعلان عن «القيامة العظمى والبطشة الكبرى» في عَلَموت في إيران من قبل الإمام الحسن (مؤسساً بذلك الإسلام الروحاني الخالص للإسماعيلية الإيرانية الذي تم إصلاحه، وذلك يوم 17 رمضان 559 للهجرة، الموافق لـ 8 آب 1164م). وهو من أسرة عربية عريقة معروفة بالتقوى والعلم.
[h=3]نشأته[/h]

وما أن بلغ الصبي سن الثامنة حتى انتقل ابن عربي مع أسرته إلى إشبيلية فَدَرَسَ هنالك القرآن والحديث والفقه على يد أحد تلاميذ ابن حزم، إمام المذهب الظاهري في الأندلس. وكان في الثامنة من عمره حين وصل إشبيلية.
[h=3]مرضه[/h]

يذكر هنري كوربان عن مرضه هذا ما يلي: «في هذه الفترة بالضبط بدَت على ابن عربي علامات القدرة الاستشراقية. وقد ألمّ به المرض وأدخلته الحمى في حالة سبات وفتور عميقين. وخاله أهله ميتاً، فيما كان هو في عالمِه الباطني يرى نفسَه محاطاً بمجموعة من الشخصيات الخطيرة ذات المظهر الجهنمي. لكن، ظهر فجأة شخص ذو جمال رباني مضمخ بعطر عذب الرائحة فقهر بقوته الجبارة الكائنات الشيطانية. فسأله: من أنت؟، فأجاب: أنا سورة يس. والحقيقة أن أباه المسكين القلق على حياة ابنه كان يتلو تلك السورة بتلاوة خاصة بمن أتتهم سكرات الموت....». ويعلق كوربان «أن ذلك كان أول دخول لابن عربي في عالَم المثال، أي عالَم الصور الواقعية والباقية: عالَم الحساسية المعقولة».
[h=3]وفاة والده[/h]

بدأ ابن عربي تتراءى له في أحلامه عذابات جهنم، وفي تلك الفترة توفي والده، وتجمّعَت الأسباب لديه ليسلك طريق التصوف، وهو لا يزال في إشبيلية.
[h=3]ذهابه إلى الأندلس وتعلمه على يد الشيخة فاطمة بنت المثنى[/h]

كانت بلاد الأندلس وقتها تحت حكم الموحدين الذين أسسوا دولة مترامية الأطراف عاصمتها مراكش. وقد عاصر ابن عربي ثلاثة من خلفاء هذه الدولة هم: يوسف بن عبد المؤمن، ويعقوب المنصور، ومحمد الناصر.
كان الأندلس يغلي بالصراعات السياسية ضد القوى الأوروبية الآتية من الشمال مهدِّدَةً الوجود العربي في الأندلس. وفي الوقت نفسه كان الأندلس ساحة للحركات الفكرية العميقة المستنيرة، وللحوار الفكري بين التيارات المختلفة، وكان خلفاء الموحدين، وبخاصة يعقوب المنصور، على قدر وافر من التسامح وسعة الأفق، ورحابة الثقافة. وقد عرف البلاط الموحدي أعلاماً كباراً في الفكر من أمثال ابن طفيل وابن رشد وابن زهر وسواهم. وقد شهِدَ ابن عربي جثمان ابن رشد محمولاً على بعير ومعه حمل من كتبه.

ابن عربي


تتلمذ ابن عربي في التصوف على بعض أعلام عصره، وتعرّف إلى عجوز تدعى فاطمة بنت المثنى القرطبية. وهنا يذكر ابن عربي ذكرياته مع هذه الشيخة في كتابه «الفتوحات المكية»، القاهرة، 1329، المجلد2، ص348، كما يشير كوربان: «هذه الشيخة الصالِحَة، بالرغم من تقدمها في السن ظلت على قدر فائق من الجمال والنضارة بحيث يخالها المرء صبية ابنة الأربعة عشر ربيعاً (هكذا!)، إلى درجة أن ابن عربي الشاب لم يكن يستطيع أن يخفي احمرار وجهه حين كان عليه أن ينظر إلى وجهها مباشرة. وكان لهذه الشيخة العديد من المريدين، كان ابن عربي لمدة عامين مريداً من بينهم. ومن الكرامات التي حبتها بها العناية الإلهية أن سورة الفاتحة كانت في خدمتها. ففي حالة استعجال يكون فيها من الضروري الرحمة بامرأة بحاجة للمعونة، كانوا يتلون الفاتحة جماعة فيمنحونها صورة مجسّدَة وإن لطيفة وأثيرية. تقوم السورة بمهمتها، وبعدها تتلو السيدة الصالحة دعاء ينم عن تواضعها الكبير». وغالباً ما كانت الشيخة الصالِحَة تقول للمريد الشاب: «أنا أمك الإلهية ونور أمك الترابية». وفعلاً، كما يحكي ابن عربي: «إذا جاءت والدتي إلى زيارتها تقول لها يا نور هذا ولدي وهو أبوك فبريه ولا تعقيه». وكما يردف كوربان أن هذا هو الوصف نفسه، أي «أم أبيها» هو الوصف الذي أطلقَه النبي الكريم على ابنته فاطمة الزهراء. ويتابع كوربان: «ولكي تكون الشيخة الصالحة، التي تحمل اسم بنت النبي الكريم، قد سلمت بهذه الطريقة على أم ابن عربي، فذلك يعني أنه كان لها حدس قوي بالمصير الاستثنائي الذي ينتظر المريد الشاب».
وعند بلوغه السنة العشرين أي أنه دخل نهائياً في الطريقة الروحانية وتعلم أسرار الحياة الصوفية، تمثلت له شخصية «الخضر» وأصبح ابن عربي تلميذاً لشيخ لا مرئي، هو الشيخ الباطني. وهكذا صار ابن عربي قبل كل شيء تلميذاً للخضر، ملامحه تجعل منه تارة النبي الياس وأخرى القديس جرجس وغيرهما الكثير. والحق أن كل المتصوفة الذين ليس لهم مرشد مرئي ، أي رجل دنيوي مثلهم هم معاصروه ، يُدعَوْن بالأويسيين[1].

[h=3]بدايات رحلاته[/h]

غادر ابن عربي إشبيلية في جولة على مدن الأندلس والمغرب. فزار قرطبة، وبجاية. حيث التقى ابن الحسن الإشبيلي المعروف بأبي مدين، وهو المتصوف المشهور في التاريخ الإسلامي، كما زار تلمسان وتونس، وأقام بعض الوقت في فاس. وعاد إلى الأندلس فزار بعض مدنه، وعاد إلى المغرب حيث زار مراكش عاصمة الموحدين وعاودته الرؤى والأحلام، ثم قصد بجاية ثانية وهي من أعمال الجزائر اليوم، وتطورت رؤاه إلى منام رأى فيه أنه تزوج جميع النجوم والكواكب، ثم أضيفت إليها الحروف فتزوجها كلها أيضاً.
[h=3]رحلته إلى المشرق على أثر رؤيا شهودية[/h]

«وقد قرَّ القرار على الرحيل إلى المشرق إثر رؤيا شهودية: فقد رأى ابن عربي العرش الإلهي تشدّه أعداد لا تحصى من أعمدة النار الملتهبة. ومنحنى العرش الذي يخفي كنوزه التي ليست غير آدم الروحاني، ترمي بظل يحجب نور ذلك الذي يجلس على العرش ويجعل تلك النار قابلة للنظر. وفي لطافة هذا الظل تسود طمأنينة يعجز اللسان عن وصفها. (تشخص هذه الرؤيا إذن، وبشكل دقيق سر التجسد الإنساني للحق، في العالَم السماوي، وهو أساس فكرة التجلّي الإلهي، وجدلية الحب، وأيضاً الإمامية الشيعية). وثمة طائر أجمل من كل طيور السماء يحيط بالعرش من جميع الجهات. وهو الذي يبلغ الرائي الأمر بالرحيل إلى المشرق، وسيكون هو رفيقه ومرشده السماوي»[2].
«ومع هذه الرحلة تبدأ المرحلة الثانية من الحياة السائحة لشيخنا. فبين سنوات 597هـ (1200م) و620هـ (1223م)، ستقوده خطاه في مختلف مناطق الشرق الأوسط حيث توجه إلى مصر ومنها إلى الحجاز والعراق حيث اجتمع بالشيخ عمر السهروردي اجتماع صمت لم يتكلما فيه. ولما افترقا وسئل عنه السهروردي قال: بحر الحقائق. وقال هو عن السهروردي: مملوء سنة من الرأس إلى قدمه. وذهب إلى الموصل قبل ذلك ثم إلى حلب ثم صعد إلى الأناضول وتزوج هناك من لَفوت فربى ولدها على التصوف حتى استحكم فيه وعُرِفَ بالقونوي نسبة إلى قونية التي حل فيها مربيه. وعاد إلى حلب واجتمع بحاكمها الظاهر غازي بن صلاح الدين وكان قد قتل الفيلسوف السهروردي بأمر من والده خضوعاً لفتوى عن فقهاء حلب. والظاهر غازي لم يكن راضياً عن قتل السهروردي وقد اغتنم الفرصة فيما بعد فنكّل بالفقهاء الذين قدموا التقرير المشؤوم إلى والده. وأخيراً ألقى الشيخ في دمشق عصا الترحال حيث سيقضي السنوات السبع عشرة الأخيرة من حياته في سلام وطمأنينة وإنتاج غزير. وحين بلغ ابن عربي مكة، المحطة الأولى في رحلته سنة 598هـ (1201م)، كان في السادسة والثلاثين من عمره».
ومن الجدير ذكره بأن إقامة الشيخ ابن عربي في مكة ثلاث سنين تعرف خلالها إلى إمام الحرم المكي المعروف بأبي خاشه. وتعرّف إلى ابنته «نظام» التي دان إليها بتعلمه مذهب «العاشقين».

[h=3]ملاحظات حول رحلة المشرق[/h]

سنقوم هنا بتوضيح بعض التفاصيل في رحلته إلى المشرق كما يرويها هنري كوربان في كتابه «الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي»:
1) تلميذ الخضر:
«لم يبق لنا سوى أن نتطرق في حياة ابن عربي لبعض الذكريات المتعلقة بلقاءاته مع الخضر. ويفصح فصلان من شبابه عن حضوره الضمني في وعيه، وهو حضور يفصح عن نفسه بتفانٍ لم ينضب معينه أبداً لأنه متأصل في معنى شخصه وحياته، وسيبلغ أوجه في اليوم الذي سيرتدي فيه ابن عربي في بستان الموصل وبطقوس مغلفة بالأسرار، خرقة الخضر، من يد صديق أُلبِسَ إياها هو أيضاً في بالموضع نفسه وكان قد لبسها مباشرة من الخضر.
وسيحدث له لقاء لن ينساه وهو لا يزال يافعاً وطالباً بإشبيلية، لكن ابن عربي لن يتعرف على الشخص الذي التقى به إلا بعد ذلك. كان قد خرج لتوه من درس لشيخه أبي الحسن العريبي، الذي كان له معه جدال حاد في حق شخص فضله النبي بتجليه له. ولم يتنازل التلميذ عن مواقفه، فانصرف عنه وقد ألم به بعض الغضب والغمة. وفي منعرج إحدى الطرق، لقِيَه رجل لا يعرفه فسلّم عليه سلام المحب وقال له: يا محمد صدق الشيخ أبا العباس فيما ذكر لك عن فلان. وسمى له الشخص. ورجع الشاب من حينه إلى الشيخ ليُعَرِّفَه بما جرى، فلما دخل عليه، قال له متوقعاً كلامه: يا أبا عبد الله، أحتاج معه إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى الخضر. يتعرض إليك يقول لك صدق فلاناً فيما ذكره لك؟ فعلم ابن عربي أي شخص لقي ذلك اليوم. وبعد ذلك بمدينة تونس بالمرسى في مركب بالبحر وهو بالحفرة وكان قد ألم به وجع في البطن وأهل المركب قد ناموا، فقام إلى جانب السفينة وتطلع إلى البحر، فرأى شخصاً على بعد في ضوء القمر، وكانت ليلة البدر، وهو يسير على وجه الماء حتى وصل إليه ولم تبتل قدماه. فحدثه بما كان لديه من كلام، ثم انصرف نحو المنارة جهة الشاطئ للاعتزال قاطِعاً المسافة في خطوتين أو ثلاثة. وفي الغد، لما جاء المدينة، لقي رجلاً صالحاً فقال له: كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر؟»[3].
وأخيراً لبس ابن عربي خرقة الخضر في سنة 601هـ (1204م)، أي في التاسعة والثلاثين من عمره.
2) مرحلة النضج:
مع دخول ابن عربي عامه الخمسين دخل سن النضج الكامل. فسنتان بعد لبس الخرقة في بستان بضواحي الموصل أي (عام 1204م) انتقل للقاهرة بمعية ثلة من المتصوفة بعضهم كان من الأندلس. وكما يروي هنري كوربان[4] أنه «وفي ليلة من الليالي، كان ابن عربي يشهد رؤيا يبدو أنها تستعيد بعض عناصر الرؤيا التي يستهل بها كتاب الفتوحات. فقد رأى كائناً رائع الجمال يدخل مسكنه ويخبره بأنه رسول الحق إليه. وما أوحى له به هذا الرسول السماوي صار هو عقيدته ومذهبه. لكن سرد هذه الرؤى وتبيان دروسها بـ "لغة سرية" أمر، والقيام بتلميحات فاضحة تصل إلى آذان الفقهاء اللاقطة، أي فقهاء القاهرة، فذلك أمر آخر. أكيد أن ابن عربي أنِفَ من هؤلاء الفقهاء، بل إنه لا يخفي البته القرف الذي يثيره فيه غباؤهم وجهلهم وفساد أخلاقهم، لكن ذلك لم يكن أحسن وسيلة لدفعهم إلى مواقف موالية له. وتفاقمت الأمور واحتدمت. وبلغ الأمر حد الاتهام والاعتقال، وأصبح شيخنا معرضاً لخطر الموت. إنها لحظة حاسمة يتواجه فيها مباشرة التعارض الصارخ بين الإسلام الروحاني للتصوف والإسلام الرسمي. وبعد أن تدخّل أحد أصدقاء ابن عربي من المشايخ لتخليصه من هذه الورطة الوخيمة العواقب، لم يعد له غير هم واحد، أن ينجو بجلده خارج القاهرة، بعيداً عن هؤلاء الفقهاء المتزمتين الحاقدين. لكن إلى أين الملاذ؟ فكاد أن عاد ابن عربي إلى مكة (عام 1207م)»[5].

مقام الشيخ الأكبر ابن عربي في دمشق


بعد ذلك بثلاث سنوات (1210م) سنجد ابن عربي على مقربة من جبال الأناضول بمدينة قونية، وكنا ذكرنا بعض تفاصيل معنى وجوده هناك في المقدمة، واستمر ابن عربي في التقدم نحو شرق الأناضول. فقد قادته قدماه حتى أرمينية على ضفاف الفرات، ثم في ديار بكر. ولم يبق له إلا القليل كي يدخل بلاد فارس، ويذكر هنري كوربان أنه دخلها بطريقة أخرى، غير مرئية وأكثر ديمومة. وذهب إلى بغداد سنة 1211م، وفي عام 1214م كان به مقام جديد في مكة حيث أن «ترجمان الأشواق» كان شارح أحواله الوحيد، وكي يداري خصومه التقليديين من الفقهاء، ويفحِم نفاق رقابتهم ضد الديوان، حيث أنشد منذ ثلاث عشرة سنة قبل ذلك، حبه للفتاة صورة الحكمة. ثم إننا سنلقى شيخنا بحلب، حيث سيربط الصداقة بالأمير الملِك الظاهِر، أحد بنوة صلاح الدين الأيوبي، ذلك الذي كان قبل عشرين سنة من ذلك صديق السهروردي وكان قرينه في العمر، وحاول بلا جدوى فكّه من بين أيدي الفقهاء ومن أيدي أبيه نفسه.
[h=3]وصوله إلى دمشق[/h]

«وأخيراً، ومن بين كل الأمراء الذين سعوا إلى اجتذاب ابن عربي، ذلك الرجل الرائع، الذي وسعَت شهرته آفاق المشرق، اختار أن يحقق رغبة حاكم دمشق، ففي دمشق استقر عام 1223م، وقضى بها السبعة عشر عاماً الأخيرة من عمره.

ضريح ابن عربي في دمشق


وعاش الشيخ في دمشق محاطاً بعائلته ومريديه العديدين، يرفل في الاستقرار المادي وطمأنينة البال. ويمكنه ذلك من ثم استكمال تآليفه، إذا كان لمؤلفات من قبيل تلك أن يكون لها حد أو منتهى»[6].
[h=3]وفاة ابن عربي[/h]

تُوُفّيَ ابن عربي في طمأنينة في دمشق يوم 28 ربيع الثاني 638هـ (الموافق لـ 16 تشرين الثاني 1240م) محفوفاً بأفراد عائلته وصحبه ومريديه. ودُفِنَ بشمال دمشق، في أحواز الصالحية في سفح جبل قاسيون. انتهى مسار حياته بعد أن ظل وفياً وبصدق لمعياره الباطن، والمكان نفسه الذي دُفِنَ به ابن عربي، ذلك الذي لا يزال مدفوناً فيه مع رفات ابنيه، ظل مزاراً اعتبره المسلمون مكاناً يقدسه جميع الأنبياء خاصة منهم الخضر.
[h=2]أعماله[/h]

ألف ابن عربي أربعمئة كتاب ورسالة. والرسالة عند القدماء قد تكون كتاباً متوسط الحجم وقد تكون مقالة مما نكتبه اليوم في الدوريات. لكن ما يناهز حجم الكتاب من أعماله كثير ويعد بالعشرات. نذكر منها:
1) «الفتوحات المكية»: ضمّنَه ما فُتِحَ عليه من الأفكار في مكة. ويقع في عدة مجلدات تختلف باختلاف طبعاتها. وأحدث طبعاتها لبنانية في ثماني مجلدات كبار مع مقدمة دراسية جيدة كتبها محمود مطرجي. وأقدم طبعاته في مصر عام 1910 بتوصية من الأمير عبد القادر الجزائري. ويُقسَم الكتاب إلى ستة أقسام هي:
أ) المعارف.
ب) المعاملات.
ت) الأحوال.
ث) المنازل.
ج) المغازلات.
د) المقامات.
وهذه الأقسام موزعة على خمسمئة وستين فصلاً تسبقها مقدمة ضخمة. ومن قوله في المقدمة:
[الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه، وأوقف وجودها على توجه كلمه، لنتحقق بذلك سر حدوثها وقدمها من قِدمِه، ونقف عند هذا التحقيق على ما أعلمنا به من صدق قدمه...]
2) «فصوص الحكم»: وهو من أنفس مؤلفاته بعد الفتوحات ويقع في مجلد واحد طبع عدة مرات آخرها باعتناء أبو العلا عفيفي مع شروح ضافية على الفصوص. ويعتبره النقاد أعمق كتبه وأكثرها تركيزاً وتلخيصاً لآرائه الصوفية. وهو عرض مكثف لرأي الشيخ ابن عربي في وحدة الوجود وخلاصة معارفه الواسعة في القرآن والحديث وعلم الكلام والفلسفة بمذاهبها الأفلاطونية الحديثة والرواقية والمشائية وإخوان الصفا والأشاعرة والمعتزلة ومن سبقه من المتصوفين.
3) «تفسير ابن عربي»: وهو تفسير ضخم للقرآن الكريم.
4) «محاضرة الأبرار».
5) «ترجمان الأشواق»: وشرحه المعروف باسم «ذخائر الأعلاق».
6) «الأحاديث القدسية».
7) «كتاب الأرواح».
8) «كتاب التجليات الإلهية».
9) «كتاب الروح القدسية».
10) «الحكمة الإلهامية».
11) «ديوان الشيخ الأكبر».
12) «ماهية القلب»، تحقيق: قاسم محمد عباس، دار المدى، الطبعة الأولى، 2009.

[h=3]تأليفه لكتب «فصوص الحكم» و«الفتوحات المكية»[/h]

كتب ابن عربي فصوص الحكم إثر رؤيا منامية حصلت له عام 627 للهجرة (1230م). فقد «ظهر النبي الكريم لابن عربي، وبيده كتاب أفصح له عن اسمه وأوصاه أن يخرج به إلى الناس لينتفعوا به». والأنبياء السبعة والعشرون الذين خصصت لهم فصوص الكتاب لم يؤخذوا في واقعيتهم المحسوسة باعتبارهم شخصيات تاريخية. إنهم موضوع تفكر وتأمل باعتبارهم تمثيلات «للحكمة» التي يشكل اسمهم فيها إشارة وعنوانا، أو إنهم يحددون نبرة تلك الحكمة. فخاصية حكمة كل نبي من الأنبياء يلزم إرجاعها إلى فرديتهم الميتافيزيقية و«عينهم الثابتة». وهذا الكتاب من دون شك أفضل موجز للمذهب الباطني لابن عربي، وقد كان له تأثير فاق التوقعات والآفاق. فقد كان موضع العديد من الشروح في كل لغات الإسلام، سواء في الإسلام السني أم الشيعي، ويمكن للدراسة المقارنة لتلك الشروح أن تقدم لنا دروساً قيّمة في هذا المضمار.

من كتب الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي


ويشير هنري كوربان إلى ما يلي: «وكان الشيخ لا يزال لم ينته من كتاب الفتوحات المكية، هذا الكتاب الذي قيل عنه إنه "إنجيل الباطنية في الإسلام" (مثلما المثنوي لجلال الدين الرومي بـ"القرآن في اللغة الفارسية"). وعنوانه الكامل هو: الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية. وترجع فكرة الكتاب الأولى إلى المقام الأول بمكة، وهي ترتبط بحالات الإلهام والرؤى الشهودية التي انبثقت في نفس المؤلف خلال الطواف على الكعبة، سواء تعلق الأمر باستبطان الشعيرة المنجزة جسمانياً، أو بتكرارها الذهني. وقد ركزنا على الرابط بين لحظات الكشف والتجلي هذه، التي تنبثق حول كعبة متحولة ذهنياً، ومدركَة خيالياً ومحققة باعتبارها "مركز العالَم": ظهور الحكمة وهي تنبثق من عز الليل، رؤيا الفتى الأمرد الصوفي وهو يخرج من الصخر، والرؤيا التي هي أصل كتاب الفتوحات المكية».
[h=3]تأليفه لديوان «ترجمان الأشواق»[/h]

أما عن ظهور الحكمة وهي تنبثق من عز الليل، وكما يقول هنري كوربان: «وحين نتأمل الحدث المركزي لهذا الاستهلال، نفاجأ بدءاً بـ "تشكيلة المكان": فالوقت ليل، والمؤلف يطوف بالكعبة. لقد حضرت المؤلف وهو يمشي على الرمل بعض الأبيات التي أنشدها. لم يشعر إلا بتجلِّ كائن لم يفطن له فيما قبل، سوف تمكّننا الحكاية من أن نتعرّف فيه على الصورة العينية المحاطة بهالة سماوية. فتحدّثَت إليه بلهجة تنمّ عن مصدرها الإلهي وبتأنيب قاس يكشف عن سر الديانة الحِكَميّة للحب.
غير أننا نربح من ذلك سبيل فك حروف مجمل قصيدته باعتبارها احتفاء بلقاءاته مع الحكمة الصوفية، وباعتبارها سيرته الذاتية الباطنية، على إيقاع قلقه ومسراته.
يقول الشاعر: "كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي وهزّني حال كنت أعرفه فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات أنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني لو كان هناك أحد، وهي قوله:
ليت شعري هل دروا ..|.. أي قـلب ملـكوا
وفؤادي لـو درى ..|.. أي شـعب سـلكوا
أتـراهم سـلموا ..|.. أم تراهم هلـكـوا
حار أرباب الهوى ..|.. في الهوى وارتبكوا
فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخز، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجهاً ولا أعذب منطقاً ولا أرق حاشية ولا ألطف معنى ولا أدق إشارة ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالاً ومعرفة».
يقول هنري كوربان: «إن المرأة التي يمنحها الشاعر وظيفة ملاكية، لأنها بالنسبة له التمظهر المرئي للحكمة الخالدة، تمتلك من حيث هي كذلك وجوداً بالتجلي. ومستنتِجاً أنها تنتمي لبلاد الروم، أي إلى المسيحية الإغريقية والبيزنطية. والحقيقة أن هذه التداعيات الذهنية لها نتائج بعيدة المدى على حكمة مؤلفنا. بيد أن النقطة الأولية التي تهمنا هنا هي أن الصورة المتجلاة قد تم التعرف عليها باعتبارها صورة الحكمة أو الحكمة الإلهية، وبهذه المرجعية والمرتبة سوف تخبر محبوبها».
يتابع هنري كوربان: «وإذن فإن الكائن الذي يحمل في طبيعته وظيفة الجمال المتجلي تلك هو الذي سيقدم الصورة الأكمل للألوهية. ومن هذا الحدس ستنبع فكرة الأنوثي الخلاق، لا كموضوع فقط وإنما باعتباره صورة مثالية للعبادة التفاعلية للعاشق. فتوافق الروحاني والمحسوس كما يتحقق في تلك الصورة سيقود إلى مفارقات رائعة، ومن ثم تنبع صورة مريم باعتبارها نموذج المتصوف، الذي يحدد ملامح "الحكمة العيسوية" التي لا تزال تختفي تحت رموز وإشارات "ترجمان الأشواق"، ذلك أنها هي التي تملك في الواقع سر الربوبية».

ديوان ابن عربي


أما هذه الملامح من «الحكمة العيسوية» فنراها تتألق في قصيدته «ما رحلوا يومَ بانوا» في ديوانه «ترجمان الأشواق» حيث يقول:
ما رحلوا يومَ بانوا البُزَّلَ العِيسا ..|.. إلا وقد حملوا فيها الطواويسَا
من كلِّ فاتكةِ الألحـاظِ مالِكَـةٍ ..|.. تخالُها فوق عرشِ الدُّرِّ بلقيسا
إذا تمشَّت على صرحِ الزجاجِ ترى ..|.. شمساً على فلَكٍ في حِجرِ إدريسا
تحيي، إذا قتلَت باللحظ، منطِقَها ..|.. كأنها عندما تُحيي به عيسى
توراتُها لَوحُ ساقيها سناً، وأنا ..|.. أتلو وأدرسُها كأنني موسـى
أُسقُفةٌ من بناتِ الرومِ عاطِلةٌ ..|.. ترى عليها من الأنوارِ ناموسا
وحشيةٌ ما بها أُنسٌ قد اتَّخذَت ..|.. في بيتِ خلوتِها للذكرِ ناووسا
قد أعجزت كلَّ علاّمٍ بمِلّتنـا ..|.. وداوُديّـاً، وحِبراً ثم قسـّيسـا
إن أومأت تطلب الإنجيلَ تحسبُها ..|.. أقسّةً، أو بطاريقاً شـماميسـا
ناديتُ، إذ رَحلت للبين ناقتَها: ..|.. يا حادي العيسِ لا تحدو بها العيسا
عَبّيتُ أجيادَ صبري يوم بينهمُ ..|.. على الطريق كراديسـاً كراديسـا
سألتُ إذ بلغَت نفسي تراقيها ..|.. ذاك الجمالُ وذاك اللطف تنفيسـا
فأسلمَت، ووقانا الله شِـرَّتها ..|.. وزحزح الملك المنصور إبليسـا
الشرح:
البيت الأول:

فيها بمعنى عليها، والبُزَّل: الإبل المسنّة، ورحلوها: جعلوا رحالها عليها، والطواويس: كناية عن أحبته شبههم بهن لحسنهن.
المقصد: البُزّل: يريد الأعمال الباطنة والظاهرة فإنها التي ترفع الكلم الطيب إلى المستوى الأعلى كما قال تعالى: {والعمل الصالح يرفعه} والطواويس المحمولة فيها أرواحها. فإنه لا يكون مقبولاً، ولا صالحاً ولا حسناً إلا حتى يكون له روح من نية عاملة، أو همته وشبهها بالطيور لأنها روحانية، وكنى أيضاً بالطواويس لتنوع اختلافاتها في الحسن والجمال.
البيت الثاني:
الفتك: القتل في خلوة، مالكة: حاكمة، تخالها: تحسبها، العرش: السرير، بلقيس: المذكورة في القرآن في قصة سليمان عليه السلام.
المقصد: يقول: من كل حكمة إلهية، حصلت للعبد في خلوته، فقتلته عن مشاهدة ذاته، وحكمت عليه، فإذا رأيتها حسبتها فوق سرير الدر يشير إلى ما تجلس لجبريل، والنبي عليهما السلام، في بعض إسراءاته في رفرف الدر والياقوت عند سماء الدنيا، فغشى على جبريل وحده لعلمه بمن تجلى عليه في ذلك الرفرف الدر وسماه بلقيساً لتولده بين العمل والعلم فالعمل كثيف، والعلم لطيف كما كانت بلقيس متولدة بين الجن والأنس، فإن أمها من الأنس وأباها من الجن ولو كان أبوها من الأنس، وأمها من الجن لكانت ولادتها عندهم، وكانت تغلب عليها الروحانية، ولهذا ظهرت بلقيس عندنا.
البيت الثالث:
المقصد: ذكر صرح الزجاج لما شبهها ببلقيس وشبه الصرح بالفلك وكنى بإدريس عن مقام الرفعة، والعلو، وكونها في حجره: أي في حكمة من جهة تصريفه إياها، حيث يريد كما قال: «لا تعطوا الحكمة غير أهلها» فلولا الحكم عليها ما صاح التحكم فيها بخلاف المتكلم بغلبة الحال عليه فيكون في حكم الوارد. فينبه في هذا البيت على تمكنه ميراثاً نبوياً فإن الأنبياء، يملكون الأحوال، وأكثر الأولياء تملكهم الأحوال وقرن الشمس، وإدريس لأنها سماؤه، وشبهها بالشمس دون القمر، تفريقاً بمقام هذه الحكمة من غيرها فكأنه يقول: قوة سلطان هذه الحكمة إذا وردت على قلب صاحب التجريد أثمرت فيه أحوالاً حساناً ومعارف مختلفة، وإذا وردت على قلب متعشق بما حصل فيه من المعارف أحرقتها، وأذهبتها، وذكر المشى دون السعي وغيره لنخوتها وعجبها وانتقالها في حالات هذا القلب من حال إلى حال بضرب من التمكن.
البيت الرابع:
المقصد: نبه على مقام الفناء في المشاهدة بقوله: قتلت باللحظ، وكنى بالإحياء عند النطق لتمام التسوية لنفخ الروح، ووقع التشبيه بعيسى عليه السلام، دون التشبيه بقوله: {ونفخت فيه من روحي} أو بقوله: {أن نقول له كن}، وجهين: الوجه الواحد: الأدب، فإنا لا نرتفع إلى التشبيه بالحضرة الإلهية، إلا بعد أن لا نجد في الكون من يقع التشبيه به فيما قصده، والوجه الآخر، أن عيسى لما وجد من غير شهوة طبيعية، فإنه كان من باب التمثيل في صورة البشر، وكان غالباً عليه على الطبيعة بخلاف من نزل على هذه المرتبة، ولما كان الممثل به روحاً في الأصل، كانت في قوة عيسى إحياء الموتى ألا ترى السامري لمعرفته أن جبريل محدث الحياة حيث سلك، أخذ في أثره قبضة فرماها (في العجل) فخار وقام حياً.
البيت الخامس:
الساق هنا: جيء أي جاء به لما كنى عن بلقيس، والصرح، وكانت قد كشفت عن ساقيها، أي بينت أمرها، ومنه {يوم كشفت عن ساق} الأمر الذي يقوم عليه شأن الآخرة، ومنه {والتفت الساق بالساق} أي التفت أمور الدنيا بأمور الآخرة والتوراة: من ورى الزند، فهو راجع إلى النور، وينسب إلى التورية أن لها أربعة أوجه، فشبه ساقها بالتورية في الأربعة أوجه والنور، والأربعة هم الذين يحملون العرش الآن، وهي الكتب الأربعة، وستأتي الإشارة إليها في مناظرتها مع أصحاب الكتب الأربعة في هذه القصيدة.
فكأنه يقول: إن أمر هذه الحكمة قام على النور، ولذا قال: سنا فإن النور الذي وقع عليه التشبيه: إنما وقع بأربعة: المشكاة، والمصباح، والزجاجة، والزيت المضاف إلى الزيتونة المنزهة عن الجهات الثابتة في خط الاعتدال، ولما كنى عن ساقيها بالتوراة، احتاج إلى ما يناسب ما وقع به التشبيه من التلاوة والدرس، وذكر من أنزلت عليه، وأتلو هنا: أتبع وأدرسها: أي أطأ أثرها فيتغير بصفتي كما يطأ أحدكم (أثر) غيره بوطئه إلى شكل ما وطئه به، فإن الدرس التغيير.
البيت السادس:
الأسقف: عظيم الروم، والعاطلة: الخالية من الحلى والناموس: الخير.
المقصد: يقول: إن هذه الحكمة عيسوية المحتد ولهذا نسبها إلى الروم، وقوله: عاطلة (أي)، هي من عين التوحيد ليس عليها من زينة الأسماء الإلهية أثر فكأنه جعلها حكمة ذاتية لا أسمائية ولا صفاتية لكن يظهر عنها من الخير المحض، ما يكنى عنه بالأنوار، وهي السبحات المحرقة التي لو رفع سبحانه الحجب النورانية والظلمانية لأحرقت سبحات وجهه فهذه السبحات (هي) التي كنى عنها بالأنوار التي في قوة هذه الحكمة العيسوية فهي الخير المحض إذ هي الذات المطلقة.
البيت السابع:
الناووس: قبر من رخام كانت ملوك الروم تدفن فيها.
المقصد: يقول إن هذه الحكمة العيسوية لا يقع بها أنس، فإن مشاهدة الذات فناء ليس فيها لذة، كما قال السيادي ما التذ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة، وجعلها وحشية: أي أنها تتنزه إلى مسكنها النفوس الشريفة، وهي لا تألف إليها لعدم المناسبة فلهذا جعلها وحشية، وقوله بيت خلوتها، يكنى بالبيت عن قلبه وخلوتها فيه نظرها إلى نفسها، فإن الحق يقول: ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن ولما كان هذا القلب الذي وسع هذه الحكمة الذاتية العيسوية في مقام التجريد والتنزيه كان كالفلاة، وكانت فيه كالوحش فلهذا قال وحشية ثم ذكر مدفن ملوك الروم تذكرة لها أي تتذكر الموت الذي هو فراق الشمل من التألف بعالم الأمر، والخلق من أجل الفراق، فيذكرها ذلك القبر حالة الفراق فيزهدها في اتخاذ الألفة.
البيت الثامن والتاسع:
لما كانت هذه المسألة ذاتية، وكانت الكتب الأربعة لا تدل إلا على الأسماء الإلهية خاصة، لهذا لم يقاومها ما تحمله هذه الكتب من العلوم وكنى عنها بحامليها فكنى عن القرآن، بالعلام بملتنا وعن الزبور بالمنسوب إلى داود وعن التوراة بالحبر وعن الإنجيل بالقسيس.
يقول: إن كان من هذه الروحانية، إشارة من كونها عيسوية إلى الإنجيل بطريق التأييد له فيما وضع له بحسب الخواطر لديها. كنا لديها بمنزلة هؤلاء المذكورين الذين هم حمال هذا الدين وساداته، والقائمون به خادمون بين يديها لما هي عليه من العزة والسلطان.
البيت العاشر والحادي عشر:
يقول هذه الروحانية الذاتية، لما أرادت الرحيل عن هذا القلب الشريف، لرجوعه من مقام لي وقت لا يسعني فيه غير ربي إلى النظر في مصالح ما كلف به من القيام بالعوالم بالنظر إلى الأسماء رحلت الهمة التي جادت عليها لهذا القلب فكنى عنها بالناقة، والملائكة المقربون المهيمنون هم حداة هذه الهمم، فأخذ يخاطب روحانياً بكتابة الحادي ألا يسير بها لما له به من التعشق والتعلق والإنسانية تأبى استدامة هذه الحالة. أراد بالطريق: المعراج الروحاني والكراديس: الجماعات واحدها كردوس، وقوله تنفيساً: يريد ما أراد النبي عليه السلام بقوله: إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن.
البيت الثاني عشر والثالث عشر:
يقول: (أريد) إذ ولابد من رحلتها فلايزال عالم الأنفاس يأتيني من جهتها مع الأحوال، وهو الذي أيضاً تشير به العرب في أشعارها بإهداء التحية والأخبار مع الرياح إذا هبت فيكنى عن هذا المقال (هنا) بالأنفاس.
يقول: فأجابت وانقادت إلى سؤالي، ووقانا الله سطوتها، كما قال: أعوذ بك منك هذا مقامه وزحزح الملك ما يريد خاطر العلم والهداية،إبليسا خاطر الاتحاد. هنا فإن هذا المقام صعب قل من حصل فيه فسلم من القول بالاتحاد والحلول فإنه المشار إليه بقولى تعالى {كنت سمعه وبصره} الحديث.
وكما ذكرنا في البداية حول ازدواجية الإلهام الشعري الصوفي متمثلاً تارة بشخص «النظام» ابنة الشيخ الأصفهاني التي أشار إليها هنري كوربان أنها مثلت لشيخنا ما مثلته بياتريس لدانتي في الكوميديا الإلهية أي تجسد الحكمة الخالدة في مظهرها الدنيوي الذي تألقت فيه بشخص خاص مثل «النظام» التي كان لقبها «عين الشمس» وتارة أخرى من خلال الجارية الرومية التي سألها عن اسمها فأجابته بأنها «قرة العين» ممثلة بذلك الحكمة العيسوية، وأستطيع أن أقتطف بضعة أبيات يتناول فيها «النظام» وهي تلك الأنثى، العذراء الهيفاء، الملقبة بـ «عين الشمس» وبهائها، ومما قال فيها في ديوانه «ترجمان الأشواق»:
من أجل تقييده بصورة امرأةٍ ..|.. عند التجلي فقلت النقص من بصري
ونسوة كنجوم في مطالعهـا ..|.. وأنت منهن «عين الشمـس» والقمر
وفي قصيدة من ديوان «ترجمان الأشواق» بعنوان «أغيب فيُغني الشوق» يقول فيها:
أغيب، فيُفني الشوقُ نفسي، فألتقي ..|.. فلا أشتفي، فالشوق غيباً ومحضَرا
ويُحدِثُ لي لقيـاه مـا لـم أظنّه ..|.. فكان الشـفاء داءً من الوجد آخَرَا
لأني أرى شـخصاً يزيد جمالُه ..|.. إذا مـا التقينـا نفرةً وتكبـّرا
فلا بد من وجدٍ يكون مقارِناً ..|.. لما زادَ من حُسنٍ نظامـاً مُحرَّرا
أما شرح هذه الأبيات كما ورد في ديوان «ذخائر الأعلاق» شرح «ترجمان الأشواق»:
يقول: في الغيبة يهلكه الشوق وفي اللقاء يهلكه الاشتياق فلايزال معذباً فهو في آلام الغيبة يرجو الشفاء باللقاء فإذا التقى يزيد وجده، وذلك أن التجليات لا تتكرر وأنه ينتقل من عالٍ إلى أعلى فيكون الثاني أعلى من الأول عند الرائي فلابد أن يكون له فيه أثر يحدث عنده مزيد تعلق ومحبة به فيه ضاعف حبه فيتضاعف شوقه فيزيد ألمه. وذكر لفظة الشخص للخبر الوارد.

[h=2]قراءة في المبادئ الأساسية لتصوف الشيخ الأكبر[/h]
[h=3]وحدة الوجود ووحدة الشهود[/h]

يذكر هادي العلوي في كتابه «مدارات صوفية» أنه: «كثيراً ما نجد ابن عربي يقول بأن الحق هو وحده الموجود وباقي الموجودات ظل له فلا وجود لها على التحقيق. وقد يكون ذلك في حال السكر حيث، كما يقول أبو العلا عفيفي، يشعر الصوفي بوحدة الحق والخلق ويفنى عن نفسه وعن كل ما سوى الله ويقر بالحق أنه هو وحده الموجود. وهذه هي حال الجمع مع الحق. وتسمى وحدة الشهود. وسماها بعضهم وحدة الموجود».
ومن الجدير ذكره أن ابن عربي ليس حلولياً، فهو يبقي على التمييز بين الحق والخلق.
وفي هذا يوضح هادي العلوي أيضاً: «فيما يخص الموجودات تكون الرابطة بينها وبين الحق في تجليه في الصور الحسية للأشياء». ويتابع العلوي: «ولحل إشكال العلاقة بين الوجود المطلق والوجود النسبي يتكلم ابن عربي على مصطلحين بخصوص الذات الإلهية هما الأحدية والواحدية. الأحدية هي وحدته المطلقة التي لا يصح فيها التبعيض والتجزئة وتكون مجردة عن الأسماء والصفات. والواحدية هي صفة الذات المتصفة بالأسماء والصفات. وهذه الذات الواحدية هي التي تتجلى في صور أعيان الممكنات الثابتة». «ويمكن مرادفة الأحدية بالوجود المطلق والواحدية بالوجود النسبي».
وفي تحقيق وتقديم للدكتور بكري علاء الدين والدكتورة سعاد الحكيم لكتاب «شرح المشاهد القدسية لتكميل دائرة الختم الموصوف بالولاية المحمدية» لابن عربي، نرى الباحثين يذكران بأن ست عجم بشرحها لتجربة الفناء في قول الحق للعارف: «أنتَ عند نفسك فانٍ وعندي موجود»، فهي تقول: «فلا يظنّ السامع أنهما وجودان محدثان، وإنما وجود واحد». وهكذا يمكن أن نتبين - حسب ست عجم - نمط من وحدة الوجود باتجاه واحد، أي انطلاقاً من الذات الإلهية خارجاً نحو العالَم، دونما إمكانية لعكس الاتجاه، وذلك من خلال تأكيدها: «هو كل شيء، وليس كل شيء هو»، أو حين يكون الله هو المتكلم: «أنا العالم وليس العالم أنا». وهذا يعني حسب ست عجم بأن «الله تعالى يكمل الأشياء وهي لا تكمله».
أما بخصوص الأحدية والواحدية فنرى ست عجم توضح الأمر على النحو التالي: «وإضافة إلى اتصاف العارف بمجموع الوجود الذي مر ذكره، أو الاتصاف بالأوصاف الإلهية فإننا نعثر عند ست عجم على فكرة الاتصاف المقابلة، وهي "اتصاف الله بالتقييد"، فإذا أراد الاتصاف بالتقييد مال ميلاً إرادياً فتحصل لذاته الصفات، فإذا أراد الظهور لهذه الصفات جعل نور ذاته مرآة ونظر فيها نفسه، فكان المنطبع صورة الشاهد، والناظر صورة المشهود. وفي الحقيقة: لا شاهد ولا مشهود. لكن هذه الكيفية التي تنشأ عن التقييد أوجبت القول بأنت وأنا، وهو خطاب بين صفة وموصوف. والحقيقة الأحدية تنافي هذا كله». إذن، وفي التحليل الأخير «وحدة الوجود» يمكن أن تنحصر لتطلق على أمر واحد هو مرتبة «الأحدية» المطلقة لا غير.
وعلى الرغم من هذا التفرد الإلهي في الوجود فإننا نجد ست عجم تربط وجود العالَم بفكرة الظهور المتعلّقة بالاسم الإلهي «الظاهر»، وبالإرادة الإلهية بالذات. فهي تقول: «لا معنى للوجود إلا مظاهر صادرة عن الظاهر بها. الوجود المدرَك بالحقيقة صادر عن مراد الله للظهور به». وبالتالي فإن «كل موجود صادر عن الله تعالى». فوجود الكائنات ليس وجوداً حقيقياً إلا لأنه مرتبط بإرادة الخالق بالظهور.

[h=3]المذهب الإنساني الناجم عن مذهب وحدة الوجود[/h]

يذكر هادي العلوي في كتابه «مدارات صوفية» ما يلي: «في وحدة الوجود الصوفية يتألّه الإنسان فيغدو موضوعاً للخير الأسمى والعدل المطلق. وبهذه الصفة لا يجوز قتل الإنسان. قال في الفص اليونسي: "إن الحق في هدم النشأة لله وحده ولا يجوز للبشر". وهذه أقدم معارضة لحكم الإعدام تسحب من الإنسان صلاحية قتل الإنسان وتجعلها حقاً حاصراً لله الذي يميت الإنسان في أجَلِه. ويسوق لتأكيد رأيه حكاية عن داود أنه أراد "بنيان بيت المقدس فكان كلما فرغ من بنائه تهدم فشكا ذلك إلى الله فأوحى الله إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء". فقال داود: "يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك؟ قال بلى. ولكنهم أليسوا عبادي؟" واستشهد بآية: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" فجعل السلم مقدماً على الحرب. وبآية: "وجزاء سيئة سيئة مثلها" واستنتج منها أن القصاص سيئة. وقد جعل القتل مانعاً من تحقيق الغاية من خلق الإنسان. وفي هذا السياق رادف الوجود مع الرحمة والموجود مع المرحوم وقال إن الرحمة وسعت كل شيء»، ويردف هادي العلوي يقول: «عارض ابن عربي العقاب في الدنيا، إلا أن العقاب الذي يعارضه هو القتل. ولم يتكلم عما دونه من عقوبات كالسجن».
كما قال الشيخ في الفص الثامن عشر في كلام على الرجوع إلى الله وأن الأشياء تتنوع في عين الناظر بحسب مزاج الناظر أو يتنوع مزاج الناظر لتنوع التجلي: «لو أن الميت والمقتول أي ميت كان وأي مقتول كان إذا مات أو قتل لا يرجع إلى الله لم يقض الله بموت أحد ولا شرّعَ قتله».

[h=3]الشيخ والمرأة[/h]

في بحث للدكتورة شيرين دقوري بعنوان «الأنوثة في تجربة ابن عربي الشهودية» تذكر واقعة عن الشيخ أنه ظل «بمنأى عن النساء والنكاح ثماني عشرة سنة إلى أن انكشف له سرهنّ وأحبهنّ عن تحبب وخوف من المقت لا عن حب طبيعي شهواني»، وعلى هذا النحو «ذهب ابن عربي إلى تقديس النساء ورفع مكانة الاتصال بهن إلى حد جعل النكاح يشبه ركناً من أركان العبادة وذلك بمقارنة السجود في الصلاة أشرف حركات المصلي، بالسجود لهن عند المواقعة».
يشير دارسو الإنسان إلى وجود ثلاثة مراكز أساسية لدى الإنسان ألا وهي مركز العقل والقلب، ومركز ثالث يبقى بدونه كل من العقل والقلب دونما معنى ودونما حياة، وهو ما أشار إليه أحد المعلمين (غوردجييف)، ويعبر عنه بالمركز الحركي أو المركز الجنسي، وهذا المركز يلعب دوراً كبيراً في الرحلة الصوفية والتطور الروحي، فهو المركز الذي يمد كلاً من العقل والقلب بطاقته وزخمه، ولا يجب كبته أو تغييبه بحال من الأحوال.
إن هذا المركز هو ينبوع الطاقة، ومن خلاله تُعْرَف طاقة الحب التي تدفع بالمحب إلى العشق ومن عشق إلى عشق.
في الحقيقة أن هذه الطاقة التي حدثَنا عنها فرويد وعرَّفَها باسم «الليبيدو» نعثر عليها قبل فرويد عند الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي في «الفتوحات المكية»، فهو حين يقول أنه لا يوجد محبوب سوى الله، وأن الله صورة كل محبوب على الأرض، وأن كل من أحب زينب، وسعاد، وهند، والدينار، والدرهم، والجاه، إنما في الحقيقة أحب الله، لأن الله ظاهر في كل محبوب لعين كل محب، كما أنه لم يعبد سواه، فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الألوهية فيه، وهذا كله في الحقيقة جوهر «الليبيدو»!!
والحال، أن الخلاص من العبودية للخلائق يكمن في التوجه إلى مبدأ العشق الحقيقي، وهو الألوهة المحتجَبَة في الخلائق، والتي هي المصدر الحقيقي لكل جاذبية وجمال وعشق.
ولعل المرأة أياً كانت صورتها كما تقول الدكتورة شيرين دقوري «فهي تكثيف للجمال الكوني، تجسيد للسر الميتافيزيقي، سيرورة إلهية متجددة. وهي أساس أنطولوجي، لكل تجلٍّ وتكون وانبثاق وظهور وكتابة. ويكفينا القول مع ابن عربي إن الانفعالية الأولى المنسوبة للأنثى لها أصول ألوهية، فالحضرات الثلاث؛ حضرة الوحدة وحضرة النسب الأسمائية والحضرة الوجودية الشهودية تظهر بقوة الانفعال والتي ينفعل عنها الكل ويظهر».
وتستحضرنا الدكتورة هنا لقاء الشيخ سنة 598هـ مع «النظام» بنت الشيخ مكين الدين الأصفهاني، وتقول الدكتورة في هذا الصدد: «كانت النظام: الأنثى، العذراء، الهيفاء، الملقبة بـ "عين الشمس" وبهائها، مصدر إلهامه الشعري الصوفي، وتُعَدّ النظام صورة الحسناء المتجلية في كل معاني الجمال المعنوي والحسي، رمزاً للذات الإلهية، وصفة مجسدة للحكمة، التي تراءت له في تلك الجارية الرومية - وهي «قرة العين» - فأحبها وقدسها لا من حيث ذاتها، بل إن حبها حب للألوهية السارية في كل شيء».
ومن جهته، يذكر هادي العلوي في كتابه «مدارات صوفية» عن الشيخ قوله: «إن كل ما يصلح أن يناله الرجال من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء. واستعمل برهاناً شكلياً لإعطاء المرأة درجة على الرجل لسد الثلمة في قول القرآن {وللرجال عليهن درجة} وهي أن حروف "مرأة" أكثر من حروف "مرء"، لزيادة التاء وهذا يصدق على الإنكليزية لأن Woman حروفها أكثر من Man، لكنهما متساويان في اللغة الصينية!».
ويكمل العلوي فيقول: «ووظف الآية التي تجعل شهادة امرأتين كشهادة رجل واحد ليعطيها دلالة مضادة. الآية تقول في تعليل الحكم: {أن تضل إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى} أي أن تنسى، فقال إن النسيان جزئي هنا وهو كلي عند الرجل إذ أخبر القرآن عن آدم أنه نسِي ولم نجد له عزماً. والآية عنده تدل على أن الرجل قد ينسى الشهادة رأساً ولا يتذكرها بينما إحدى المرأتين ذاكرة لابد بحكم الآية».
ويتابع: «وفي تداعيات أكثر جدية يقول الشيخ إن من شرف التأنيث إطلاق الذات على الله وإطلاق الصفة. يقصد أن الذات مؤنثة ونطلقها مع الصفة على الله فنقول ذات الإله أو الذات الإلهية والصفات الإلهية. كما أظهر في الفصوص الفص الأخير ما يلي: "كن على أي مذهب شئت فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالَم والعلة مؤنثة. وإن شئت القدرة فمؤنثة أيضاً"».
وتدلو الدكتورة شيرين دقوري بدلوها فتقول: «وإذا تأملنا فكرة "الرحمة" عند ابن عربي فإننا نراه ينظر إليها بوصفها صفة إلهية مؤنثة، لأنها صفة الأنثى/الأم بالجوهر. فالرحمة شملَت العالَم بمستويين: الأول، في الإيجاد، وعن ذلك شملت الرحمة الرجل من وجهين: الرحمة الإيجادية، ورحمة الحق في وهبه المرأة كي يعرف نفسه ليعرف ربه. والمستوى الثاني: شملت الرحمة العالَم بمعنى المبالغة في الرزق والإجابة، والأنثى أقرب إلى الإجابة لأنها أصفى محل للانفعال، من إشارة الحق إلى المنفعل القابل للاقتدار من الفاعل. والرحمة تجلٍّ للاسم الإلهي الرحمن، لأنه "يعطي الاشتقاق من الرحمة". وهذا سر من أسرار اسم الأنوثة الذي يطلق على عباد اسم الرحمن الذي مشهده العافية والخير المحض، في مقابل اسم الذكورة الذي يطلق على عباد اسم الله، وجميع الأسماء الإلهية تطلب اسم الرحمن، أطيب أنفاس الحق».

[h=3]قراءة في نص «حول الكعبة الصوفية»[/h]

ختاماً لهذه الدراسة المتواضعة حول تصوف الشيخ الأكبر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي درجة وشكل التجربة الروحية التي يعلن عنها ظهور وشهود صورة كتلك التي جاء بها الحديث؟
من الجدير ذكره، حسب شهادة الشيخ الأكبر (الفتوحات المكية، مجلد 2، ص325)، أنه قد تلقى قدراً كبيراً من ملَكة الخيال الشهودي هذه. يقول: «ولقد بلغت بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوباً من خارج لعيني كما كان يتجسد جبريل لرسول الله (ص) فلا أقدر أنظر إليه ويخاطبني وأصغي إليه وأفهم عنه. ولقد تركني أياماً لا أسيغ طعاماً، كلما قدمت لي مائدة يقف على حرفها وينظر إلي ويقول بلسان أسمعه بأذني: تأكل وأنت تشاهدني. فأمتنع عن الطعام ولا أجد جوعاً، وأمتلئ منه حتى سمنت وعبلت من نظري إليه، فقام لي مقام الغذاء. وكان أصحابي وأهل بيتي يعجبون من سمني مع عدم الغذاء لأني كنت أبقى الأيام الكثيرة لا أذوق ذواقاً ولا أجد جوعاً ولا عطشاً، لكنه كان لا يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني».
يقول هنري كوربان[7]: «هذا الاستهلال، الذي يُعتبَر استهلالاً فقط لأنه منتهى تجربة روحانية بكاملها، يقدم نفسه باعتباره حواراً ذا صفاء خارق في الحد بين الوعي وما يتجاوز الوعي، بين الأنا البشرية ونظيرها الإلهي. وحين كان ابن عربي يقوم بطوافه حول الكعبة، فإذ هو يلاقي الحجر الأسود، ذلك الكيان العجيب الذي يتعرف عليه للتو والذي يسميه "باهت، الفتى الفائت، المتكلم الصامت، الذي ليس بحي ولا مائت، المركب البسيط، المحاط المحيط"، وغيرها الكثير من الأوصاف المتراكمة (باستعادات وإشراقات كيميائية) لتعيين توافق الأضداد. وفي هذه اللحظة، راود الشاهد التردد: "وعلمت أن الطواف بالبيت كالصلاة على الجنازة"، "انظر إلى البيت قبل الفوت". ورأى الشاهد فجأة كعبة الحجر تصبح كائناً حياً. فعلم المنزلة الروحانية لذلك الفتى الذي قال فيه فيما يذكره في الفتوحات المكية، مجلد1، ص47، حيث يفضي إلى إعلان الفتى عمن يكون، فيكلمه الشيخ في عالم المثال والأجسام اللطيفة: "قبلت يمينه ومسحت من عرق الوحي جبينه، وقلت له انظر من طالب مجالستك، وراغب في مؤانستك. فأشار إلي إيماءً ولغزاً أنه فُطِرَ على ألا يكلم أحداً إلا رمزاً، وأن رمزي إذا علمته وتحققته وفهمته علمت أنه لا تدركه فصاحة الفصحاء، ونطقه لا تبلغه بلاغة البلغاء. فقلت له يا أيها البشير وهذا خير كثير، فعرفني باصطلاحك وأوقفني على كيفية حركات مفتاحك، فإني أريد مسامرتك وأحب مصاهرتك فإن عندك الكفؤ والنظير وهو النازل بذاتك والأمير. ولولا ذلك ما كانت لك حقيقة ظاهرة، ما تطلعت إليه وجوه ناظره. فأشار فعلمت، وجلي حقيقة جماله فهيمت، فسقط في يدي، وغلبني في الحين علي. فلما أفقت من الغشية، وأرعدت فرائصي من الخشية، علم أن العلم قد حصل، وألقى عصا سيره ونزل، فتلا حاله علي ما جاءت به الأنبياء، وتنزلت به الملائكة الأمناء. إنما يخشى الله من عباده العلماء. فجعلها دليلاً، واتخذها إلى معرفة العلم الحاصل به سبيلاً. فقلت له أطلعني على بعض أسرارك حتى أكون من جملة أحبارك، فقال انظر في تفاصيل نشأتي وفي ترتيب هيأتي تجد ما سألتني عنه في مرقوما، فإني لا أكون مكلماً ولا كليماً، فليس علمي بسواي، وليست ذاتي مغايرة لأسمائي. فأنا العلم والمعلوم والعليم، وأنا الحكمة والمحكم والحكيم».
يتابع هنري كوربان: «وهكذا يتكشف الوجود الذي هو الذات المتعالية للمتصوف، ونظيره الإلهي، ولا يتردد المتصوف في التعرف عليه، ففي خلال مسعاه حين كان يواجه سر الحق سمع هذا الأمر: "فانظر إلى الملك معك طائفاً". فعلم لذلك أن الكعبة الصوفية قَلْبُ الوجود. فقد قيل له: "وبيتي الذي وسعني قَلبُك المقصود". فسر الحق ليس غير كعبة القلب وحول القلب يطوف الطائف الروحاني».
كما يذكر هنري كوربان في كتابه «الأرض السماوية والجسد البعثي» في الصفحة 67 وما يليها، بأن الفتى يفصح في شخصيته عن وجود ما تم حدسه في رمز العمود البارز للبيت الصوفي وهو أي، العمود البارز إحدى رؤى الشيخ الأكبر - المؤول المدرك للأسرار الإلهية. إنه الروح، والروح القدس، والملك جبريل لدى المتصوف، والحجر الأسود المنبثق من الكعبة (الذي يغدو حجراً أبيض» ما أن يتم التعرف عليه). إنه الاسم الإلهي، والعين الثابتة للمتصوف، وهذا ما يلاحظه الجيلاني أيضاً.
يعود هنري كوربان في حديثه عن سر ذلك الفتى فيقول: «ثم أمره الفتى :"طف على أثري". ثم إننا نسمع حواراً غير مشهود يعز موضوعه على العبارة الإنسانية».
ويقول كوربان: «والحكاية التي يحكيها الشهودي لمحاوره وبأمر منه هي حكاية مسعاه، أي باختصار حكاية التجربة الباطنية التي ينبثق عنها الحدس الأساس للحكمة الصوفية لدى ابن عربي. وهذا المسعى هو ما يمثله الطواف حول كعبة "القلب" أي حول سر الحق».
وهكذا: «تصبح شعيرة الطواف إذن مثل الحد الأقصى لـ "صلاة الحق" التي تشكل التجلي ذاته، أي ظهور الحق للخلق في صورة يتجلى فيها بنفسه في ذلك الموجود، وفي ذاته يظهر ذلك الموجود إلى نفسه. إن الحل موجود، فقد أمر الفتى المتصوف: "ادخل معي كعبة الحجر"، الكعبة المغلقة التي لا يدخلها أحد: وهكذا فإن متأول السر لم يعد يكتفي بترجمته. فلما عرفنا من هو، أدخله إليها: "فدخلت معه بيت الحجر في الحال، وألقى يده على صدري وقال: أنا السابع في مرحلة الإحاطة بالكون، وبأسرار وجود العين والأين،...الخ».
وفي تعليقه حول دعوته «ادخل معي كعبة الحجر»، يقول: «هو البيت المتعالي عن الحجاب والستر، وهو مدخل العارفين، وفيه راحة الطائفين، فدخلت معه بيت الحجر في الحال».
«وبعد أن كشف له الفتى عمن هو باعتباره (أنا السابع...)، كشف له عن سر إيجاده وجلوسه على العرش في الأزل، وعلينا القول بأنه الملك الذي هو القلم الأعلى وقد نزل بذاته من منازله العلى لينفث فيه معرفة النفس ومعرفة الآخَر».
أخيراً وليس آخراً، يختتم هنري كوربان فصله هذا، فيقول: «الحق لا يُلاقَى ولا يُرى. فهو البيت، وسر القلب حيث يدخل المتصوف بعد أن يحقق في نفسه الإنسان الكامل باعتباره كوناً أصغر، فيلاقي "صورة الحق"... و"البيت" هو محل التجلي، والقلب الذي ينشئ حوار المحبوب والمحب، ولهذا فإن هذا الحوار هو صلاة الحق... إنه تناظر اللامتناهي مع المتناهي، والكلية الإلهية مع عالم الإنسان الكامل، والحقيقة المتزامنة لمفارقة الرفض الإلهي: "لن تراني" مع التوكيد النبوي: "رأيت ربي في صورة شاب أمرد..."».
يختتم هنري كوربان بأبيات شعر لأحد كبار شعراء بلاد فارس يقول فيها:
«إذا ما نزل سيف غضبك علي بألم الموت
ستجد نفسي فيه الطمأنينة
وإذا ما أمرتني بكأس السم
ستجعله روحي شرابها
وحين سأنهض يوم البعث
من غبار قبري
سيكون عطر حبك
عالقاً برداء روحي
فحتى لو رفضت حبي
ستمنحني رؤية وجهك
إذ كان جليس أسراري».
 

ندى القلب

المحاربين القدماء

إنضم
Jul 14, 2009
المشاركات
16,493
مستوى التفاعل
151
رسايل :

كالسجناء نلتقي وعيوننا معلقة على الزمن الهارب _ العائم مثل طائرة ورقية يلهو بها طفل لا مبال

الموضوع شيق والمعلومات كثيييييييييييييره جدااا ومنها الغريب الذي لم استسغه

لذلك لي عووده حتى اقرا ثاانيه


يعطيك الف عاافيه ديزاينروردة*

 

DE$!GNER

بيلساني محترف

إنضم
Apr 4, 2011
المشاركات
2,637
مستوى التفاعل
44
المطرح
بين الأقلام والألوان ولوحات التصميم
اتمنى من المهتمين قراءته...
وأشكر من مر وقرأ وعلق ولم يعلق...
 
أعلى